جسر “بريكس” واستعجال واشنطن في المواجهة مع فنزويلا
واشنطن – سعيد عريقات
تحليل إخباري
بينما يترقّب العالم مثول الرئيس الفنزويلي المختطف نيكولاس مادورو وزوجته أمام محكمة فيدرالية في مدينة نيويورك ظهر يوم الاثنين بتوقيت المدينة، تتجه أنظار المحللين وصنّاع القرار إلى السياق الأوسع للقضية، ولا سيما إلى مجموعة “بريكس” ودور فنزويلا المحتمل في توازناتها الإستراتيجية المقبلة
لم يعد الحديث عن “جسر بريكس” مجرد توصيف أكاديمي لتحالف ناشئ، بل بات تعبيراً عن تحوّل بنيوي في النظام الدولي. فالتكامل السياسي والمالي واللوجستي المتسارع بين دول مجموعة بريكس وشركائها يهدف بوضوح إلى الالتفاف على منظومات الهيمنة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة. عبر آليات دفع بديلة، وتجارة طاقة خارج نطاق الدولار، وتنسيق دبلوماسي متزايد، يتشكل هيكل موازٍ يحدّ من فعالية أدوات الضغط الأميركية التقليدية، وفي مقدمتها العقوبات.
ضمن هذا السياق، تبرز فنزويلا بوصفها عقدة جيوسياسية حساسة. فهي دولة تمتلك أكبر احتياطيات النفط في العالم، وتتموضع سياسياً في تقاطع المصالح بين أميركا اللاتينية والقوى الصاعدة غير الغربية. هذا الموقع يجعلها مرشحة لأن تكون ركناً أساسياً في “الجسر” الذي تسعى بريكس إلى بنائه، خصوصاً في نصف الكرة الغربي الذي اعتبرته واشنطن تاريخياً مجال نفوذ حصرياً.
منذ تولّي نيكولاس مادورو الحكم، عملت كاراكاس على إعادة تموضعها الاستراتيجي بعيداً عن المنظومة الأميركية. فقد عمّقت شراكاتها مع الصين وروسيا وإيران، ووسّعت تعاونها في مجالات الطاقة والدفاع والبنية التحتية. هذه السياسات لم تكن ردود فعل ظرفية على العقوبات، بل محاولة واعية للاندماج في سلاسل إمداد وتمويل بديلة تقلّص قدرة واشنطن على التحكم بالاقتصاد الفنزويلي أو عزله.
القلق الأميركي الأعمق يتجلى في مسألة نزع الدولرة (هيمنة الدولار الأميركي). فبيع النفط الفنزويلي بعملات غير الدولار، واللجوء إلى أدوات مالية مرتبطة ببريكس، يشكّلان تحدياً مباشراً لركيزة أساسية من ركائز القوة الأميركية: الهيمنة النقدية. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الترتيبات إلى وقائع يصعب التراجع عنها. لذلك، يصبح عامل الزمن خصماً لواشنطن، ويغدو بقاء مادورو في السلطة عاملاً يرسّخ هذا التحول بدلاً من إبطائه.
وبدلاً من التعامل مع “جسر بريكس” بوصفه ظاهرة نظامية تتطلب مقاربة إستراتيجية شاملة، تميل الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات قانونية ومالية عابرة للحدود، تستهدف الأفراد أكثر مما تعالج البنية. هذا النمط من السلوك يوحي بمحاولة تعويض تراجع النفوذ عبر إجراءات رمزية عالية الضجيج، لكنها محدودة الأثر. فهو يعكس قلقاً من فقدان السيطرة أكثر مما يعكس ثقة بإمكانية استعادة الهيمنة السابقة.
في هذا الإطار، لا تمثل فنزويلا حالة معزولة، بل نموذجاً مقلقاً بالنسبة لواشنطن. فإذا نجحت دولة في أميركا اللاتينية في الاندماج ضمن منظومة بريكس من دون أن تنهار، فإن ذلك قد يشجع دولاً أخرى في الجنوب العالمي على سلوك المسار نفسه. هنا، يصبح الاستعجال الأميركي مفهوماً: ليس الهدف مادورو بحد ذاته، بل منع تكريس سابقة يصعب احتواؤها لاحقاً.
وتتعامل واشنطن مع فنزويلا بوصفها مختبراً لاختبار قدرتها على ردع التحولات الدولية. فنجاح كاراكاس في الصمود، رغم العقوبات، يضرب مصداقية الردع الأميركي. لذلك، فإن أي تهاون قد يُقرأ إقليمياً كإقرار بعجز بنيوي. هذا ما يفسر التصعيد المتكرر، حتى عندما تبدو كلفته السياسية والدبلوماسية مرتفعة.
كما يشكّل تمدد بريكس في أميركا اللاتينية تحدياً مباشراً لمبدأ مونرو بصيغته المعاصرة. فالجسر الجديد لا يعتمد على قواعد عسكرية، بل على الاقتصاد والطاقة والتمويل. وهذا ما يجعله أكثر صعوبة في المواجهة. الولايات المتحدة تجد نفسها أمام نفوذ لا يمكن قصفه أو حصاره بسهولة.
تكشف الحالة الفنزويلية تحوّلاً في طبيعة الصراع. لم يعد الهدف تغيير النظام بقدر ما أصبح احتواء التحول نفسه. غير أن الأدوات القديمة تبدو عاجزة عن تحقيق هذا الهدف. فالصراع اليوم يدور حول بنية النظام الدولي، لا حول زعيم أو حكومة بعينها.
