تصاعد الرفض الشعبي في الولايات المتحدة لحرب إيران مع دخولها أسبوعها السادس وسط مخاوف من توسع الصراع

 تصاعد الرفض الشعبي في الولايات المتحدة لحرب إيران مع دخولها أسبوعها السادس وسط مخاوف من توسع الصراع

سعيد عريقات

سعيد عريقات

واشنطن – سعيد عريقات – 6/4/2026

في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران منذ إطلاقها في 28 شباط/فبراير 2026 تحت مسمى “عملية الغضب العارم”، تكشف استطلاعات الرأي الحديثة عن اتساع غير مسبوق في معارضة الأميركيين لهذه الحرب، مع دخولها أسبوعها السادس، في مؤشر يعكس فجوة متنامية بين توجهات الإدارة الأميركية والرأي العام الداخلي.

وبحسب بيانات استطلاعات نُشرت مطلع نيسان ، فإن هذه الحرب تُعد من بين أكثر العمليات العسكرية الأميركية إثارة للرفض الشعبي منذ بدايتها في التاريخ الحديث. فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة CNN في الأول من نيسان أن نحو 66% من الأميركيين يعارضون، بدرجات متفاوتة، قرار اللجوء إلى العمل العسكري ضد إيران. كما بيّن استطلاع مشترك لوكالة رويترز ومؤسسة “إبسوس” أن ثلثي الأميركيين يفضلون إنهاء التدخل العسكري بسرعة، حتى لو لم تتحقق الأهداف المعلنة بالكامل.

وتعكس هذه النتائج توجهاً عاماً نحو الحذر من التورط في نزاع طويل، خصوصاً مع تصاعد القلق من احتمالات إرسال قوات برية، وهو خيار لم تستبعده إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى الآن. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 75% من الأميركيين يعارضون نشر قوات برية في إيران، في دلالة واضحة على الحساسية التاريخية المرتبطة بالحروب الممتدة في الشرق الأوسط.

وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث أن 40% من الأميركيين يرون أن الحرب تجعل الولايات المتحدة أقل أمناً، مقابل 22% فقط يعتقدون أنها تعزز أمن البلاد، وهو ما يعكس تراجع الثقة في جدوى العمليات العسكرية الحالية.

أسباب تصاعد المعارضة

يربط مراقبون هذا الرفض الشعبي بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها التداعيات الاقتصادية المباشرة. فقد شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعاً حاداً منذ اندلاع النزاع، ما انعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، التي تجاوزت حاجز 4 دولارات للغالون الواحد في أواخر آذار ، الأمر الذي زاد من الضغوط المعيشية على المواطنين.

كما تسهم حالة الغموض التي تكتنف الاستراتيجية الأميركية في تغذية القلق الشعبي، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 67% من الناخبين يعتقدون أن الإدارة لا تملك خطة واضحة لإدارة الصراع أو إنهائه. ويزداد هذا القلق مع التحذيرات من تداعيات إقليمية أوسع، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية.

تطورات ميدانية وتصعيد سياسي

ميدانياً، شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً لافتاً في الخطاب السياسي والعسكري، حيث منح الرئيس ترمب إيران مهلة تنتهي يوم الثلاثاء 7 نيسان لإعادة فتح مضيق هرمز، ملوحاً بعواقب “قاسية”، تشمل استهداف بنى تحتية حيوية مثل محطات الطاقة والجسور.

في المقابل، تتباين التقديرات بشأن الخسائر البشرية داخل إيران، إلا أن تقارير حقوقية، من بينها ما نشرته وكالة “هرانا” (المعنية بحقوق الانسان)، تشير إلى سقوط آلاف القتلى منذ بداية العمليات.

وعلى صعيد العمليات العسكرية، أعلنت القوات الأميركية في 5 نيسان نجاحها في إنقاذ أحد أفراد طاقم طائرة من طراز F-15E، كان قد فُقد داخل الأراضي الإيرانية منذ الجمعة، في عملية وُصفت بأنها معقدة وحساسة.

ورغم إعلان الرئيس الأميركي ترمب نجاح العملية، فإن كواليسها كشفت عن ثمن باهظ دفعته الولايات المتحدة، تمثل في قصفها وتدميرها اثنتين من أكثر طائراتها تقدما. ومع نجاح فرق الكوماندوز الأميركية في الوصول إلى الطيار وتأمينه، واجهت القوة عقبة قاتلة بعد أن غاصت العجلات الأمامية لطائرتيْ النقل العسكري في رمال المدرج الصحراوي، وفق الرواية الأمريكية التي كشفتها صحيفة نيويورك تايمز.

وبعد محاولات يائسة لتحرير الطائرتين، اضطرت القوات لطلب طائرات بديلة. وقبل انسحابها مع شروق الشمس، قامت المقاتلات الأميركية بقصف الطائرتين العالقتين وتدميرهما بالكامل.

القرار تحكمه “ضرورة إستراتيجية” بالغة الحساسية، فقد أوضحت صحيفة وول ستريت جورنال أن الطائرات التي تم تدميرها هي من طراز “إم سي 130 جي” (MC-130J)، وهي طائرات متطورة للغاية تبلغ تكلفة الواحدة منها أكثر من 100 مليون دولار.

هذا الثمن المادي الباهظ لإنقاذ فرد واحد، فتح الباب أمام تساؤل استراتيجي أكثر خطورة في أروقة صنع القرار العسكري: إذا كانت رمال إيران قد كبدت أمريكا مئات الملايين من الدولارات وكادت تُفشل عملية إنقاذ محدودة، فما هو الثمن الذي ستدفعه واشنطن إذا ما قررت شن هجوم بري واسع النطاق؟

ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الضربات الجوية وتزايد المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، قد تشمل أطرافاً متعددة في الشرق الأوسط، ما يضاعف من حالة القلق داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وتعكس موجة الرفض الشعبي الواسعة للحرب مع إيران تحولاً بنيوياً في المزاج العام الأميركي تجاه استخدام القوة العسكرية، خاصة بعد تجارب مريرة في العراق وأفغانستان. فالأميركيون باتوا أكثر ميلاً لقياس كلفة الحروب ليس فقط بالمعايير الاستراتيجية، بل أيضاً بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. كما أن غياب هدف واضح وقابل للتحقيق يعزز من الشكوك في جدوى هذا النزاع. هذا التحول قد يفرض قيوداً متزايدة على صناع القرار في واشنطن، ويحد من قدرتهم على الاستمرار في عمليات عسكرية مفتوحة زمنياً دون دعم شعبي حقيقي ومستدام.

كما يلعب البعد الاقتصادي دوراً مركزياً في تشكيل الموقف الشعبي الرافض للحرب، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية يربط مباشرة بين السياسة الخارجية والوضع المعيشي للمواطن الأميركي. ومع تزايد الاعتماد على الطاقة العالمية، يصبح أي اضطراب في مضيق هرمز تهديداً مباشراً للاقتصاد الأميركي. هذا الترابط يعزز من حساسية الرأي العام تجاه الأزمات الخارجية، ويجعل من الصعب على الإدارة تبرير استمرار العمليات العسكرية دون تقديم رؤية واضحة لتقليل الأضرار الاقتصادية، أو ضمان استقرار الأسواق في المدى القريب والمتوسط.

ويعكس التصعيد الأخير في الخطاب الأميركي، خاصة التهديد باستهداف بنى تحتية إيرانية، انتقالاً من مرحلة الضغط العسكري المحدود إلى استراتيجية قد تحمل مخاطر توسع الصراع. مثل هذه الخطوات قد تدفع أطرافاً إقليمية إلى الانخراط بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات. وفي ظل غياب إجماع دولي واضح، قد تجد واشنطن نفسها في مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة. هذا السيناريو يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الإدارة الأميركية على تحقيق أهدافها دون الانزلاق إلى صراع طويل ومكلف سياسيا وعسكريا.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *