ترمب يريد من الدول العربية الخليجية أن يشاركوا في كلفة الحرب على إيران
سعيد عريقات
سعيد عريقات
تحليل إخباري
في تطور لافت في الخطاب السياسي الأميركي، كشفت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب منفتح على فكرة مطالبة دول عربية بالمساهمة في تغطية تكاليف الحرب مع إيران، في إشارة تعكس تحوّلاً في مقاربة إدارة الصراع من كونه عسكرياً صرفاً إلى كونه أيضاً ملفاً مالياً واستراتيجياً متعدد الأطراف.
وخلال إحاطة صحفية، تجنبت ليفيت الخوض في تفاصيل محددة، لكنها أكدت أن الفكرة مطروحة بجدية داخل دوائر صنع القرار، وأن الرئيس قد يعلن موقفاً أكثر وضوحاً بشأنها قريباً. هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الشراكات التي تسعى واشنطن إلى بنائها، وما إذا كانت الإدارة الأميركية تتجه نحو إعادة صياغة مفهوم “تقاسم الأعباء” في سياق النزاعات الإقليمية.
في موازاة ذلك، أشارت ليفيت إلى أن قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة وتحقق تقدماً، رغم التباين الحاد بين التصريحات العلنية الإيرانية وما يجري تداوله في الكواليس. ووفقاً لما نقلته، فإن طهران أبدت مرونة في بعض النقاط خلال الاتصالات الخاصة، وهو ما يعكس ازدواجية مألوفة في إدارة الأزمات بين الخطاب السياسي والبراغماتية التفاوضية.
لكن هذه المؤشرات الدبلوماسية لم تمنع تصعيداً حاداً في لهجة التهديد، إذ حذر ترامب من تدمير شامل للبنية التحتية الإيرانية للطاقة في حال رفضت طهران فتح مضيق هرمز، وذلك عقب رفضها مقترحات أميركية وشنها هجمات صاروخية على إسرائيل. ويأتي هذا التصعيد في ظل تقديرات تشير إلى أن كلفة العمليات العسكرية الأميركية تجاوزت 35 مليار دولار، وفق مؤشرات متخصصة في تتبع الإنفاق العسكري.
في السياق ذاته، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين في الإدارة أن ترمب أبدى استعداداً لإنهاء الحملة العسكرية حتى في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، مع تأجيل معالجة هذا الملف إلى مرحلة لاحقة. ويعكس هذا التوجه إدراكاً لتعقيد إعادة فتح الممر البحري الحيوي، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
من جهته طرح رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو رؤية بديلة تقوم على إعادة توجيه خطوط أنابيب الطاقة الخليجية نحو الغرب، عبر السعودية وصولاً إلى البحرين الأحمر والمتوسط، بما يخفف من الاعتماد على مضيق هرمز ويحد من قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط جيوسياسية.
ويعكس طرح تمويل عربي للحرب نزعة مقلقة في مقاربة الرئيس الأميركي، تقوم على توظيف الثقل العسكري والسياسي لواشنطن كأداة ضغط مالي على حلفاء إقليميين، لا كشراكة متكافئة. فالدول الخليجية، الأكثر عرضة للردود الإيرانية بحكم الجغرافيا، تُدفع عملياً لتحمّل كلفة صراع قد لا تملك قرار إشعاله أو مساره. هذا المنطق يقترب من “ابتزاز سياسي” أكثر منه تنسيقاً استراتيجياً، ويهدد بتآكل الثقة في التحالفات، إذ يتحول الأمن إلى سلعة تُقايَض بالدفع، لا التزاماً متبادلاً قائماً على المصالح المشتركة والاستقرار طويل الأمد
كما يكشف التباين بين التصعيد العسكري واستمرار القنوات الدبلوماسية عن نمط مألوف في إدارة الأزمات الأميركية-الإيرانية، حيث يُستخدم الضغط العسكري كرافعة تفاوضية لا كخيار نهائي. غير أن هذا النهج يحمل مخاطر عالية، إذ إن أي سوء تقدير أو حادث ميداني قد يحوّل “الضغط المحسوب” إلى مواجهة مفتوحة. كما أن ازدواجية الرسائل قد تضعف الثقة، ليس فقط بين الخصمين، بل أيضاً لدى الحلفاء الذين يجدون أنفسهم أمام سياسة يصعب التنبؤ بمآلاتها.
وتتجاوز أهمية مضيق هرمز كونه ممراً مائياً إلى كونه نقطة ارتكاز في توازنات الطاقة العالمية. أي تعطيل طويل الأمد له سيدفع إلى تسريع مشاريع بديلة، مثل خطوط الأنابيب المقترحة، ما قد يعيد رسم خريطة الطاقة والنفوذ في المنطقة. لكن هذه البدائل تحتاج سنوات واستثمارات ضخمة، ما يعني أن المدى القصير سيظل رهينة للتوترات الجيوسياسية.
