الصهيونية الإسلامية ضلع ثالث في مثلث تبرير وشرعنة احتلال فلسطين وشيطنة شعبها
د. خالد الفقيه
بقلم الإعلامي: د. خالد الفقيه
يكاد يكون المؤتمر الصهيوني الأول في بازل أول ما يقفز لأذهان الكثيرين فيما يخص المشروع الصهيوني كفكرة تدحرجت حتى وصلت لإنشاء كيان صهيوني قومي على أرض فلسطين ترسم بشكل علني بعد نكبة عام 1948، ولكن الحقائق التاريخية تشير إلى رغبات وضلع أخر عمل على تمرير وتثبيت هذا المشروع متمثلاً بالصهيونية المسيحية ومن ذلك مشروع ينسب لنابليون بونابرت بالإضافة لمحاولات غربية أخرى. المشروع الصهيوني اليوم يقف على ثلاثة أضلاع تتمثل بالحركة الصهيونية بما تختزنه من شتات، والصهيونية المسيحية من بريطانيا وحتى أمريكا وما بينهما، والصهيونية الإسلامية والتي يتصدرها اليوم دعاة ورجال دين مسلمين يتصفون بالغلو والمحابة في دعم المشروع الصهيوني على أرض فلسطين وشيطنة شعبها.
التخلي عن فلسطين واستدخال التطبيع والهزيمةلم يعد حكرًا على السياسيين أو أنظمة عربية وإسلامية وحدها بل بات فضاءً أوسع يبرره الخطاب الديني الإسلامي من بعض الدعاة والأئمة ورجال الدين والذين لا يألون جهداً في تأهيل الاحتلال الإسرائيلي أخلاقيًا، وتجريم الفلسطينيين والتشكيك بإرثهم التاريخي والقومي وارتباطه بأرض كنعان. خطابهم لا يكتفي بالصمت، بل يلوم الضحية، ويمنح الشرعية للمحتل، ويغلف ذلك كله بآيات مبتورة وتأويلات انتقائية. وهو ما يمكن وصفه بالضلع الثالث في مثلث المشروع الصهيوني «الصهيونية الإسلامية»، التي توظف استخدام الدين كأداة سياسية لتبرير واقع استعماري قائم، والأخطر التمهيد لتوسع المشروع الصهيوني على حساب جغرافيا عربية أخرى مستقبلاً تحت ذات الحجج.
الصهيونية الإسلامية تتتخذ من اللغة الناعمة والحقن تحت الجلد مساراً لها مدعومة بالإعلام والمال والرعاية الرسمية عبر الحديث عن “السلام”، و”حقن الدماء”، و”فقه المصالح”. وبعضها يذهب أبعد من ذلك بخطابات وفتاوىى تحمل الفلسطينيين مسؤولية مأساتهم، باعتبارهم “رفضوا الفرص”، أو “اختاروا المقاومة بدل التعايش”، أو “استفزوا قوة لا طاقة لهم بها”. في هذا المنطق، يصبح الاحتلال ردّ فعل، والاستيطان إجراءً دفاعيًا، والعدوان نتيجة “تعنت” الضحية.
هذا الفقه الدخيل المُسيّس ذو انتقائية أخلاقية تتغلف بالواقعية وما هو إلا مسار جديد ينحت على مقاس نظم سياسية إسلامية ودولية بعينها تستدعي طاعة ولي الأمر لتبرير التطبيع، ووأد الفتن وتجميل العلاقات البينية مع المشروع الصهيوني. فالفلسطيني في هذا الفقيه ليس إلا عائقاً أمام السلام والتنمية والتعاون والاستقرار الإقليمي والعالمي. يقع اللوم عليه إن رفض وقاوم وأسنشهد أو سجن.
ومخاطر الصهيونية الإسلامية تكمن في قدرتها على التأثير بما تمتلكه من قدرات وصول مالية وإعلامية ودور عبادة ومنابر ما يمنحها غطاءً أخلاقيًا للتطبيع، ويُربك البوصلة الأخلاقية لدى الجمهور، ويُفرغ مفاهيم العدل والحق من مضمونها.
ونقد هذا الخطاب والتصدي له بات واجباً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً في وجه التوظيف السياسي الذي يصف صمود الفلسطينيين بالمغامرات والبعد عن الحكمة وسبب المعاناة المستمرة لهم. فخطاب الصهونية الدينية الإسلامية ينمي فكرة نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية في أذهان أجيال من العرب والمسلمين، فبعض رجال الصهيونية الإسلامية من رجال الدين والدعاة يدس السم في العسل بالترويج أن القضية الفلسطينية مسألة خلاف بين جيران، وأن المسجد الأقصى والمقدسات لا تختلف فقهيًا عن غيرها من المساجد والمقدسات، لتسهيل وتبرير التطبيع بوصفه خيارًا سياسيًا لا يتعارض مع الدين.
وتسعى الصهيونية الإسلامية للاعتراف بحق الصهاينة بأرض فلسطين والعيش المطمئن عليها باستدعاء شذرات من التاريخ لم تثبتها العلوم المتخصصة في الأثار وسنن الحضارة. وفي حالات أخرى توظيف فقه الضرورات المخصصة في تبرير الإنحناء في وجه الغلبة. إلى جانب شيطنة الفلسطينيين كمصدر للفتنة وعدم الاستقرار وتصويرهم بأنهم “مسألة” أو مشكلة لا بد من حلها واحتوائها وخلاف ذلك يعني التعدي على ركائز فكرية تنتقص من حق ولي الأمر في الطاعة ومخالفة شرعية لا تغتفر..
وتماهى مواقف بعض الدعاة ورجال الدين المسلمين من الصهيونية الإسلامية مع السردية الإسرائيلية وتجرد القضية الفلسطينية من بعدها الأخلاقي والحقوقي. وبعيداً عن ذكر أسماء من هذا التيار الإسلامي الصهيوني يكفي أن نورد مواقف وتصريحات دالة مثل وصف المواقف الفلسطينية بـ«المغامرات غير المحسوبة» في الصراع مع إسرائيل، وأن ميزان القوة لا يسمح بمواجهات مفتوحة. رئيس منتدى تعزيز السلم وهو رجل دين عبر عن دعمه لمسارات السلام والتطبيع، مؤكدًا أنه «لا يوجد مانع شرعي من إقامة علاقات سلمية إذا قدّرتها الدولة». الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي وهو داعية، طالب بالسلام والتسامح بين الأديان، وتحدث عن حق جميع الشعوب في العيش بأمن. أحد الدعاة سرح بعيداً وقال “لاسمح الله لو هدم الأقصى في يوم ما فقدسيته ليست في حجارته”.
ولا شك أن الكثيرين رأوا وشاهدوا زيارات رجال دين مسلمين للمسجد الأقصى وحائط البراق بحماية من شرطة وجيش الاحتلال وأطلقوا من هذه الأماكن خطابات وتصريحات تدعم المشروع القومي الصهيوني خارقين بذلك كل ما كان محرماً في السابق.
وفي الختام يجدر القول بأن هؤلاء كهنة في خدمة السيف وأدوات توجيه وضبط سياسي لكي الوعي الجمعي للأمتين العربية والإسلامية بسوء نية تحت لافتة طاعة ولي الأمر ودرء الفتن والتعقل. ونقدهم والتصدي لهم هو من صلب المعتقد الديني الإسلامي الذي لا يعترف يالاستيلاء القهري بل يحث على مقاومته. وقد تكون مقولة الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة وصفاً دقيقاً لدعاة الصهيونية الدينية، وخارطة طريق للرد عليهم عندما قال: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السالكين فيه”.
