الحرب، تأثيراتها، مؤدى نتائجها … وأين العرب منها
د. عادل سماره
د. عادل سماره
يصعب أثناء الصراع، بل العدوان المفتوح، تحديد مآلات ونتائج ذلك. فهناك إجماع عالمي على أن بوسع أي طرف إشعال حرب لكن ليس شرطاً أن يتحكم بها أو يوقفها بغض النظر عن ما أراده منها. لكن هذا لا يعني ان لا نتعاطى مع الحدث طبقاً للمتوفر من معلومات ونوايا وبالطبع دوافع مصلحية وإيديولوجية لا سيما وأن الحرب قلما تكون هواية بل حدثاً لهدف.
أمَّا والعدوان ضد إيران، فذلك لا يعني خُلُو طرفنا كعرب من تبعاته بل نحن كعرب جزء من الحرب، بكل من المشاركة، أي دور المقاومة من جهة وللأسف بعضنا، أنظمة الخليج، كجزء سالب من جهة ثانية، بل وأبعد من ذلك بمعنى أن الوطن العربي خشبة المسرح التي يفعل عليها وبها اللاعبين دون أن تلعب هي!
وهذا يعني أن تعاطينا مع هذا الحدث ليس لمجرد التغطية الصحفية بمعنى المراقبة والتسجيل ولا حتى التحليل، فنحن كشعب عربي في غالبيتنا مع إيران.
لكن موقف الأغلبية هذا يجب أن يكون مقوداً بأمرين:
· حق إيران في الدفاع عن النفس ووجوب دعمنا لها ، وابعد من ذلك، فلو كانت هذه الأمة متحدة لَدَرَء مجرد وجودها العدوان عن إيران أو لشاركت الدفاع عن إيران لأن العدوان ضد إيران هدفه النهائي ضدنا ايضاً ويكفي على ذلك وجود الكيان واحتلال الغرب للخليج المتآكل بالنفط والحتِّ.
· وضرورة أن لا ننسى مشروعنا كعرب بحيث لا نكون مجرد هامشيين أو متفرجين، أي وجوب توظيف الحدث لتطوير مشروعنا الوحدوي العربي أي دون نسيان أن إيران كصديقة، ليست هي مشروعنا وليست بديلا عنه.
وهذا يوجب الوقوف في مواجهة الأنظمة القطرية جميعها سواء الخادمة للعدوان وحتى الواقفة على الرصيف لأن هذه الأنظمة كأنظمة الخليج هي من الهشاشة وفقدان السيادة بمكان بحيث تدخل تحالفات كتوابع ليس للإمبريالية وحسب، بل حتى للقوى الإقليمية، الأمر الذي يُجيز لمن نتبعه أن يستثمرنا كما تقتضي مصالحه.
حائرون حتى اليوم؟
ضائع وخطير العقل، وطبعا التحليل اللاتاريخي، العقل الذي يحكم كثيرين في الوطن العربي، فهناك من ينسى أن فلسطين محتلة، ولذا لا يرى أن معظم الوطن العربي محتل، وهناك من يتناسى أن العدوان ضد بيته، حتى لو كان في الريف المغربي فيتحدث عن “أمن قُطرٍ” عزيمته بقدر عزم دجاجة ويثرثر بان جيوشا عربية هُزمت في أيام كي يتزلف للمقاومة وهذا تذيُّل رخيص. فالذي هُزم هي جنرالات لا جيوشاً وحكاماً خانوا جيوشهم وفوق هذا عدوان غربي استهدف الأمة في جولته الأخيرة منذ ثلاثة قرون ولم يتوقف.
لم نعتقد ابداً أن الجمهوريات التي تم تدميرها كانت تقودها قيادات بلا أخطاء وخلل، ولكنها حاولت وقاتلت في فلسطين وفي أقطارها، ولذا كان الإصرار على تقويضها كما اشاع الأعداء وعبيده من الطابور السادس الثقافي.
هل سطور المثقف النرجسي هي التي حطمت خط بارليف 1973، ووصلت شاطئ طبريا حينها!
أليس العراق هو أول من ضرب فلسطين المحتلة بالصواريخ؟ أليس العراق ثم ليبيا أول من أوقف بيع النفط بالدولار؟ ثم لحقتهم أكثر من دولة؟
من قبيل الضرورة استدعاء قول المتنبي:
“أجزني، إذا أُنشدت شعراً فإنما… بشعري أتاك المادحون مردَّدا”
لكن أيضا، أخطأت مصر في حماية الكويت 1961 وأخطئ العراق في توقيت تحرير الكويت 1990، وأخطأت سوريا في عدم إعادة ضم لبنان 1976، وأخطأت ليبيا في تسليم السلاح. وما نقصده هنا هو التذكير بأن أي تحليل يجب ان يأخذ، بل ينقل للقارئ موجزا تاريخيا على أن يحتوي جانبيْ صورة أي نظام، وبغير هذا نُنتِج عبيدا جدداً!
قادت تهجيصات المديح البحت والتقزيم البحت إلى شطف الإمبريالية والصهيونية وإظهارهما قوى هيولية القدرة صائبة التهديف مما برَّر الاستخفاء وابتلاع الهيمنة واستدخال الهزيمة.
لذا، نجد أنظمة بأسرها، وأحزاباً وحتى طبقات تنصب مناحات جوهرها أن الكيان قوي بالمطلق وبأن الخيار “العقلي” تجاهه هو خلع الملابس وحتى الجلود. والعجيب أن هؤلاء من العمى بمكان بحيث لا يرون أنه مجرد محمية وهذا ما أثبتته غزة على ضآلة مساحتها وتواضع إمكاناتها، ولكن بكبرياء قتالها. ودون توسعة هنا، فالكيان ليس قوة وإنما أداة قوة هي الغرب وكل مقدرات الغرب. وهو الغرب الذي كثيراً ما هُزم.
ولا يعرف محدودية قوة الكيان أحد بقدر ما يعرف ذلك هو نفسه، لكن مستدخلي الهزيمة يمنحونه فرصة الاستعراض كما يقل نتنياهو بأنه سيغير خريطة المنطقة أو أن ” المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان”. وهي مقارنة أخف من عقول من يُخدعون بها، فجنكيز خان كانت لديه قوة بذاته وبقوة جيشه، أما الكيان فليس أكثر من أف 35 الأمريكية بينما البشرية هي السيد المسيح.
حربُ مَنْ!
تتواصل حيرة الحائرين ليصلوا إلى أسهل حل لأعقد مسألة، أي ليصلوا إلى الحل الغلط كما يفعل طالب كسول لم يقرأ درسه قط، ومع ذلك يذهب للامتحان.
يرى هؤلاء ان الساحر نتنياهو أغوى ترامب أو هدده بأحد غلمان أو قاصرات جزيرة إبستين، أو أقنعه أن إيران رجل من قش وأن الإيرانيين بانتظار “المسيح الترامبي” ليطلق طلقة بداية إسقاط النظام…الخ. وبأن حزب ذو العمامة أصبح بلا عمامة، بل وبلا راس، وبأن اليمن قد طوت السلاح…الخ.
ويذهب البعض إلى أن اللوبي الصهيوني يقود أمريكا ومجمل العالم سواء بالرشى أو بالتحكم بالإعلام، ولا تنتهي هذه التكهنات أو الضرب في الحصى إلى أن إيديولوجيا الدينسياسي لدى الجمهوريين الأمريكيين والدينية الصهيونية هي وراء العدوان.
صحيح أن ما جرى يجري، ولا سيما وهي أحداث مطلية بطلاء إعلامي خبيث ومسيطر يمكن أن تقود إلى ضعف البصر، ولكن يجب ان لا تنتهي إلى ضعف البصيرة ايضاً.
فالغرب الرأسمالي ثم الاستعماري ثم الإمبريالي لم يخلق الكيان ليتحول إلى عبدٍ له! وراس المال الغربي تحديداً هو الذي يحوي أو ضمنه عُشّ لرأس المال الصهيوني وليس العكس. وهذا يعني تقاطع المصالح حتى التطابق. وإذا كانت الأنظمة القُطرية العربية التابعة عدوة للعروبة وفي خدمة الغرب والكيان رغم أن الوطن وثرواته عربية، فهل من عجب أن تتخادم الإمبريالية والصهيونية حيث الصهيونية خالقها الغرب!
لقد أخذَنا عرب الرعب والتبعية والخذلان واستدخال الهزيمة إلى رؤية هذه الحرب وكل حرب باعتبارها درجات من التمهيد لنهاية العالم عبر معركة مجدُّو /هرمجدون بدل أن نرى حقيقتها في راس المال. وعليه، لك أن تفكر وتُرجَّح ايهما في خدمة الآخر هرمجدون أم راس المال!
هل كانت طبعة من هرمجدون في عدوان أمريكا على فيتنام، واليوم على فنزويلا، وكندا وغرينلاند والحرب الجمركية على الكوكب!
وهل هناك هرمجدون ضد الديانة الأرضية في الصين.
يستأنس البعض بموقف بعض الأمريكيين الذين يرون بلادهم مقودة من دولة صغيرة هي الكيان، وهم امتداد لتيار انعزالي اكتفائي امريكي منذ عقود بأن لدى أمريكا ما يكفيها، فلماذا تدخل حروبا إمبريالية ضد العالم، أو لماذا لا تكتفي بما لديها وبإلحاق أمريكا الجنوبية كحديقة خلفية لها؟ ليس هذا بالتيار الاشتراكي بالطبع، بل هو تيار رأسمالي وصفه لينين بالسذاجة حيث يتخيل بأن الرأسمالية يمكن أن لا تتحول إلى إمبريالية، أو يرفض تحول الرأسمالية إلى إمبريالية كما كتب جون هوبسن في كتابه “الإمبريالية عام 1895! ولكن، من قال هذا؟ فما من رأسمالية إلا ولها هذا الطموح أو الحلم أو حتى الهذيان الإمبريالي كما في الإمارات وقطر.
لا شك بأن الإمبريالية بطبيعتها العدوانية بتجلياتها: النهبوية والتقشيطية والإستغلالية تُصبح أكثر شبقاً لتحقيق كل هذا إذا ما توفر عميل نشط لها كالكيان الصهيوني أو أُشبعت بعمى القوة العسكرية وبتقارير أن إيران منهارة أو بعمى مخابراتي معلوماتي أو بشحن جنون العلاقة مع الله وتلقي وحي الحرب من السماء، أو زعم ذلك…الخ.
ولكن يبقى بيت القصيد ان راس المال وخاصة الأمريكي على يقين بأن آخر منطقة مُباحة له هي الوطن العربي وبأن بقاء هذا البواح يشترط تدمير إيران لتخليد التبعية العربية وتمكين ترامب من الوقوف على جبال زاغروس ليقول كما قال جورج دبليو بوش بعد مذبحة العراق “أُنجزت المهمة” أو الإشارة بيمناه بعصا المارشلية للتقدم إلى بكين بينما يسراه في جيبه تفعل ما قاله مونتسكيو عن القراءة بيد واحدة. إذا كان الأمر على هذا النحو، فأين تختلف او تتخالف مصالح الولايات المتحدة والكيان!
ولا يقتصر هدف الهدف على عربنة إيران، بل ترمي الإمبريالية بعمومها إلى عربنة روسيا وهذا سر إصرار الغرب على مواصلة دعم أوكرانيا. بعد كل هذا يصل العقل التاريخي المتزن للقول: أليس طبيعي أن تتقاطع مصالح الإمبريالية والصهيونية إلى هذا الحد؟
من ناحية عملية:
لا بد أن يصل المرء إلى الاستنتاج بأن العدوان لم يكن سببه الأساس النووي ولا البالستي الإيراني ولا شبق نتنياهو، بل وجود الدولة الإيرانية الواحدة. وعليه، كان التنفيذ العملي لخطة العدوان هي بعد إضعاف حزب ذي العمامة، واحتلال سوريا 8 ديسمبر 2024 وتجربة العدوان ضد إيران عام 2025 ثم الجولة الحالية مما يؤكد أن احتلال سوريا كان الحلقة الضرورية الأولى في العدوان وهو إحتلال تتطابق فيه مصالح الكيان وأمريكا بل والغرب وتركيا. ولذا، وبغض النظر حتى عن مآل هذا العدوان، فإن سوريا المحتلة ستلعب دورا في الخطة العدوانية، بغض النظر عن أية جغرافيا سيتم تكليف الجولاني بها، بما أن سوريا في قبضة نظام تطبيعي، قُطري، دينسياسي وطائفي، أي حالة نموذجية لإمساك قوى دينسياسي بالسلطة.
مجريات الحرب:
كما فشل العرَّافون في التقاط أنباء طوفان الأقصى، لم تجلب لهم الحمامة أنباء طوفان التجهيز الإيراني. لذا اندفع الوحش الأمريكي معتمدا خطة واحدة هي العدوان مأخوذاً بقناعة أن وجود حفنة عملاء يعني ان أمة عميلة وخائنة لذاتها! وليبدو العدوان مجرد فيلم هوليودي أو حفل صيد طراد مقدس.
لكن مؤشرات اليوم الأول كشفت بأن الأمر ليس كما رأى المعتدون سواء بتماسك القيادة الإيرانية وتماسك المجتمع نفسه وضعف أدوات الثورة المضادة، إضافة إلى خاصية أنها حرب عن بُعد سيطر العدو فيها على الجو وسيطرت إيران بالصواريخ باستثناء العدوان ضد لبنان.
لن نستفيض هنا، ولكن لعل الدرس المستفاد هو انطباق “قانون الترابط الشامل” على مجريات هذه الحرب.
ولأن إسقاط النظام الإيراني لم يعد وارداً، فقد ذهبت أمريكا إلى تحويل العدوان على طريقتها ضد فيتنام أي تدمير شامل، ولكن بدون عدوان برّي.
وفي الحقيقة، فإن كامل الغرب قد شارك في العدوان سواء بالسياسة والإعلام أو بالدعم العسكري وفتح قواعده للأمريكي، تماما كما حصل ضد غزة، ولكن دول الأطلسي لم تدخل بالمطلق، بل دخلت بالممكن كي لا تُضعف عدوانها ضد أوكرانيا، لكن المهم أن أوروبا شاركت في العدوان.
وبدورها فإن كيانات الخليج العربية شاركت في العدوان سواء بقبولها وجود قواعد عسكرية في أراضيها تعتدي ضد إيران أو لأنها، حتى لو رفضت العدوان، فإنها لا تستطيع ذلك بما هي أنظمة بلا سيادة وطنية أو قومية إذ ينحصر دورها في أربع واجبات كلفتها بها الإمبريالي:
· تسليم مقدراتها للسيد الإمبريالي
· العداء بكل وسيلة للعروبة والإسلام العربي
· تركيز ذكورية تتصف بالاستهلاك والفُحش
· التطبيع مع الكيان الصهيوني أنَّى حانت الفرصة
وحيث انخرط الغرب والخليج في العدوان، ودعم ثلاثي المانيا فرنسا وبريطانيا العدوان وفتحت بريطانيا دييغو جارسيا لاستخدام أمريكا وتعهدت إيطاليا وفرنسا بحماية قبرص التي تحولت إلى قاعدة للعدوان
وجدت إيران أن من الضروري والحق لها إدخال معظم العالم في الحرب عبر التحكم بإغلاق، أو نصف إغلاق، مضيق هرمز الأمر الذي عولم الحرب سواء شاء كل العالم ذلك أم لا، وهذا أكد بوضوح أن العالم كوكب واحد مترابط سواء في السلام أو الحرب يحكمه قانون الترابط الشامل. وبالتالي يمكن القول بأن إيران قد أخذت زمام المبادرة الأمر الذي دفع ترامب للتهديد باحتلال بري لجزر إيرانية وبضرب البنى التحتية في إيران.
وإذا كانت مجريات العدوان كما ذكرنا، فذلك حتى يوم كتابة هذه السطور أي 23 آذار 2026 يوم تمديد التهديد الأمريكي الجديد لإيران.
خسائر الاقتصاد العالمي
هناك فيض معلوماتي متضارب فيما يخص الأثر الاقتصادي عالميا، وهو كما الحدث نفسه لا يزال حدثا جاريا. لذا ما يمكن تسجيله أو الحديث فيه هو حصول الأزمة الاقتصادية عالميا، وإن كانت بنسب متفاوتة، وتعداد القطاعات التي تصيبها، ولكن لا يمكن اعتماد حجم الخسائر لأنه هي نفسها متحركة.
وبالطبع فإن هذه الحرب تستنزف اقتصادات دول العالم بدرجات وليس بنفس النسبة علماً بأن ثقل الأزمة الاقتصادية يقع عالميا على أكتاف الطبقات الشعبية وتحديداً الأكثر فقراً في كل بلد على حده.
لعل العنصر القائد للأزمة الاقتصادية هو قطاع الطاقة الذي يمس مختلف بلدان العالم والتي يتفاوت تأثرها طبقاً لدرجة استيرادها للطاقة وخاصة من نفط المنطقة العربية والإيرانية ذلك لأن درجة الاعتماد على الاستيراد الطاقوي هي التي تحدد قدرة كل بلد على تحمل التكاليف. وخاصة أن النفط لا ينحصر دوره في توليد الكهرباء وقطاع السيارات … بل يدخل في صنع الأسمدة إذ تعتمد الزراعة العالمية، المنتجة لنصف الإمدادات الغذائية للبشرية، على الأسمدة النيتروجينية المصنعة في دول الخليج، والتي تعبر مضيق هرمز للوصول إلى المزارعين.
تساهم قطر والسعودية والإمارات والبحرين وإيران في تصدير أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من سماد اليوريا، ونحو ربع إنتاج الأمونيا.
أما سماد النيتروجين، فارتفع سعره 40 % حتى نهاية الأسبوع الثاني من العدوان وهذا يعني زيادات هائلة في أسعار الغذاء.
بمجرد نفاد الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط، يمكن أن يقفز سعر النفط بسهولة إلى مستويات هائلة مما قد يؤدي إلى تضخم شديد وكساد عالمي وبالطبع بطالة أو ركود تضخمي. لقد زاد تحكُّم إيران بمضيق هرمز إلى عرقلة سلاسل التوريد وهذا دفع شركات التأمين إلى التشدد في رفع فواتير الكلفة.
ويعني تشابك هذه العوامل أن الضرر الذي يلحق بالاقتصاد العالمي ولا سيما في المستوى الزراعي هو طويل المدى بمعنى أن إعادة التوازن يأخذ وقتاً إذا ما قورن بقطاعات وأنشطة أقل حساسية، مثلا كتقليص الاستهلاك اليومي لسلعة أو أخرى.
أما الخطورة فتكون فيما إذا حصل الضرب المتبادل للنفط وللبنى التحتية الإمر الذي لا يحله استخدام المخزون النفطي الإستراتيجي إذا امتدت الحرب و/أو انقطع الإمداد كلياً، لكن هذا تم تأجيله لخمسة أيام وقد يكون من تحته توافق حوارات باتجاه وقف الحرب.
| وعليه، فالكارثة ليست في تدمير المنشآت فحسب، بل في الارتداد الاستراتيجي على الأسواق. |
فيما يخص القطاع المالي، فإن عدم تحقيق أمريكا نصرا أو خرقا مميزا، وخاصة في منطقة مضيق هرمز، وتعثر متزايد في تمرير النفط فإن درجة استخدام الدولار في المبادلات سوف تتراجع مما يزيد جنون الذهب لدى معظم دول العالم ربما باستثناء البرازيل التي تتجه للاستثمار وليس لاكتناز الذهب.
وبالطبع، فإن خطر اختلال النظام المصرفي العالمي يتضح حيث أن 220 تريليون دولار من السيولة تهرب نحو الذهب منذ الأسبوع الثاني من الحرب وهذا يفجر فقاعة الدولار.
قال ترامب إن الولايات المتحدة أصبحت مُصدِّرًا صافيًا للطاقة بعد ثورة التكسير الهيدروليكي (الفراكينغ). ولذلك قال: عندما يرتفع سعر الطاقة أو النفط أو الغاز، فإننا نحن الأمريكيين نجني المزيد من المال. أي ان أمريكا حولت جزءا من الحرب إلى استثمار مربح حيث ازداد الطلب على، ومن ثم سعر، نفطها كما خففت أمريكا بعض الضغط على النفط الروسي.
لكن المفارقة أن ارتفاع سعر النفط زاد الكلفة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الذي يستهلك طاقة هائلة؛ فهو متعطش جداً للكهرباء. مع ارتفاع تكلفة تشغيله وتدريبه وما إلى ذلك، فإن ذلك سيقلل بشكل كبير من أرباح زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وهذا يصيب بشكل خاص الشريحة الطبقية من الطبقة الرأسمالية المؤيدة لترامب.
لكن فريق ترامب خفض قيمة الدولار بنسبة 20–30٪.
وبذلك عادت كل عناصر الركود التضخمي الحرب في إيران تزيد الوضع سوءًا، لأن الركود التضخمي — كما ذكرنا — هو…
زيادة في التضخم وزيادة في البطالة في الوقت نفسه.
حسنًا، هذا ما يحدث الآن في الولايات المتحدة. أنت تدفع أكثر مقابل الوقود للذهاب إلى عملك، لذا فالتضخم موجود، وفي الوقت نفسه ينخفض الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي على العمل أيضًا، لذلك ترتفع البطالة. كان بإمكان دونالد ترامب أن يتجنب اللحظة التضخمية الركودية لو أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تمكنت من الاستمرار دون تضخم ناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة. كما أدى أيضًا إلى خفض تكاليف الأجور في الولايات المتحدة من خلال إضعاف النقابات العمالية.
وقد أدى ذلك إلى انخفاض الأجور الحقيقية، مما خفّض الطلب لأن العمال أصبح لديهم أموال أقل للإنفاق. وهذا بدوره أدى إلى انخفاض الاستثمار، وبالتالي حدث ارتفاع في البطالة بالتزامن مع التضخم.
وهكذا كان الثمن الذي دفعته الطبقة العاملة الأمريكية والطبقات العاملة في أوروبا وبقية العالم مقابل تحول الولايات المتحدة من دولة فائض إلى دولة عجز.
المفارقة الثانية والمحرجة لترامب أن حليفته أوروبا تعاني جدا من أسعار وإمدادات الطاقة الأمر الذي منعها من دخول العدوان بشكل مفتوح. لكن المفارقة الثالثة هي أن إسكندينافيا التي كانت تُعد متحضرة مثل فنلندا والسويد، يدفعون الآن بقوة نحو مزيد من الحروب، ومزيد من الإنفاق العسكري، ودعم أكبر للحرب في أوكرانيا. عموماً، فإن إسبانيا وحدها التي اتخذت موقفاً معاكساً لمصالح الكارتلات الاحتكارية
أما المفارقة الرابعة ففي الجنوب الذي تأثرت معظم دوله بأزمة الطاقة، وإن بدرجات، بينما بعض الجنوب الذي حظي بقدر كبير من الاستثمارات الصينية غانا وكينيا، حيث إن الألواح الشمسية الصينية والبطاريات الصينية عالية الجودة منحت استقلالًا عن صناعة الوقود الأحفوري خلال السنوات القليلة الماضية.
الخليج
في الواقع لعب الخليج مؤخرا دورًا مهمًا جدًا في دعم القطاع المالي المرتبط بالدولار الأمريكي والمرتبط بشركات التكنولوجيا الكبرى.
مراكز البيانات انتشرت بكثرة في أنحاء الخليج، وكذلك الاستثمارات في الرقائق الإلكترونية. شركة إنفيديا حققت أرباحًا هائلة من الخليج. كما أصبح الخليج على راي وول ستريت جورنال مثابة ATM للولايات المتحدة.
وفجأة، مع الهجوم على إيران انهار نموذج الأعمال في الخليج تمامًا.
شركات الطيران كلها متوقفة. بينما تتراكم عليها مليارات الدولارات من الديون والتكاليف والخسائر.
إستراتيجيا
لا يتعاطى هذا التحليل مع تكتيك كل طرف من المتحاربين، فذلك ليس اختصاصنا. لكن ما يمكن القول فيه أمرين
الأول: ماذا لو هُزمت إيران؟
كما أشرنا سابقا، فهزيمة إيران تعني تقسيمها كما الوطن العربي إلى دويلات صغيرة، جميعها تابعة ومقتتلة مع بعضها البعض وتنصيب أنظمة على كل منها تستجير وتتسلح من الإمبريالية. بكلام آخر إعادة السيطرة الاستعمارية الرأسمالية الإمبريالية على هذه الدولة كليا ولعقود قادمة.
وعلى المستوى الإقليمي ستكون هذه الدويلات الجديدة على عداء مع الدول العربية وغير العربية المحيطة بها، وستكون مكتظة بقواعد أمريكية تشكل سوطاً على الدول الصغيرة وأطماعاً في تقسيم الدول الأخرى في المنطقة، حتى لو كانت “حليفة” للغرب وخاصة باكستان وأذربيجان. بينما تركيا يمكن أن تتعرض لنفس المصير كما يمكن أن تكون شريكا صغيرا للإمبريالية والصهيونية شريكاً يتقاسم النفوذ والمصالح في المنطقة، ولكن تقاسما معظمه للغرب والكيان الصهيوني الذي سوف يصبح أداة وعصا غليظة أخطر مما هو عليه الآن أي على الأقل سيكون للكيان ما تنادي به الصهيونية من الفرات إلى النيل.
انطلاقا من إيران المهزومة سيكون للكيان سيطرة من جبل الشيخ كمفتاح نحو الشرق يكشف لبنان وكل المنطقة الممتدة من سفوح جبل الشيخ الشرقية حتى دجلة. كما أن من يسيطر على التلال او قمم التلال بجبال زغرس الإيرانية التي تطل على وادي دجله والفرات. وحينها يمكن للكيان أن يتقاسم السيطرة على العراق مع تركيا وبالتالي تطويق السعودية والخليج وخلق إشكالات لمصر في ليبيا، والسودان وإثيوبيا.
وبالطبع تنكشف روسيا والصين كبديل محتمل للهيمنة الأمريكية. هذا دون أن نذهب لما هو أوسع من حيث تمدد الهيمنة الأمريكية من روسيا باتجاه أوروبا من جهة وباتجاه محاصرة الصين بالتواصل الأقوى مع اليابان وكوريا الجنوبية من جهة ثانية. وتُطل أمريكا على سهل اسيا الوسطى الذي يسميه برجينسكي البلقان الاوراسي قرغيزستان طاجيكستان اوزبكستان وكازخستان؟
وماذا لو صمدت أو انتصرت إيران؟
إن مجرد صمود إيران هو انتصار وإن كان منقوصاً حيث يترتب عليه بقاء دولة قوية في المنطقة أو دولة بصدد استعادة قوتها، وهذا تترتب عليه تحديات للأنظمة العربية وخاصة الخليج الذي اتضح له منذ بدية الحرب حتى كتابة هذه السطور أن الولايات المتحدة ليست معنية حقا بحماية هذه البلدان مما يؤكد أن الوجود الأمريكي هو للنهب والتقشيط من جهة ولتثبيت القواعد الأمريكية الحربية وحماية الكيان من جهة ثانية.
وبالتالي تصبح أمام الخليج فرصة إما التوجه السيادي سياسيا واقتصاديا وخاصة أن استيراد الطاقة لا يعتمد بشكل كبير على الغرب. وهذا قد يدفع هذه الدول إلى تماسك سياسي عسكري أكبر أو إلى دخول تحالفات عسكرية “حمائية” مع مصر وربما مع باكستان.
أي ان تغيرا ملحوظا يجب أو لا بد أن يحصل للعلاقة بين هذه الدول وأمريكا، والتي لا شك ستحاول عدم الخروج من المنطقة وبأي ثمن مدعومة من الكيان الصهيوني.
وهنا قد يلعب الغرب والكيان لعبة الصراع العربي الفارسي وتصوير إيران كدولة توسعية بدرجة أو نوع ما.
وبالطبع تكون الكارثة إذا اتجهت إيران إلى خيار تقوية الذات ليس دفاعا، بل توسعاً.
وعموما، كما بدأنا هذا التحليل، فإن التحدي الفعلي هو للعرب بمعنى: الخروج من هذه المرحلة/الأزمة بقرار التوصل إلى درجة ما من الوحدة السياسية والعسكرية والاقتصادية بغض النظر حتى عن النظام الاقتصادي وبغض النظر عن درجة الوحدة أي الاندماج الفدرالية أو الكونفدرالية لأن لا مصيرا كريما للأمة العربية بدون الوحدة.
هل هذا ممكن؟ ممكن من باب تعلُّم الدرس وأخذ العبرة، وغير ممكن من باب طبيعة الأنظمة التابعة. ففي طريقه تاريخ من التبعية وحتى بلورة محاور ضد أي تماسك عروبي.
