“اتفاقيات إبراهيم” بمهّب الريح! العلاقات شبه مقطوعة والإمارات ترفض دعوة نتنياهو رغم ضغوطه.. ارتفاعٌ شعبيٌّ حادٌّ بمُعارضة التطبيع وتزايد الإدانات الحكوميّة لإسرائيل

الإنتشار العربي :بعد اتفاق السلام الإسرائيليّ الأردنيّ في العام 1994 احتاج الكيان إلى جيلٍ آخر لإبرام المزيد من معاهدات السلام مع الدول العربيّة، وتمّ وصف (اتفاقيات إبراهيم) المُبرمة في عام 2020 مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب بعبارات رنانةٍ.
وفي مراسم التوقيع بالبيت الأبيض قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “هذا ليس سلامًا بين القادة فقط، إنّه سلام بين الشعوب”، أمّا وزير الخارجية آنذاك يائير لبيد فقال في (قمة النقب) عام 2022، “ما نفعله هنا اليوم هو صنع التاريخ”، مضيفًا “بناء هيكل إقليمي جديد قائم على التقدم والتكنولوجيا والتسامح الديني والأمن والتعاون الاستخباراتي”.
ونقلاً عن محافل سياسيّةٍ رفيعةٍ في تل أبيب، قالت مجلة (تايمز أوف إسرائيل) إنّه “بعد مرور عامين ونصف على الاتفاقات، وثلاثة أشهر من ولاية الحكومة الأخيرة بقيادة نتنياهو، هناك سببٌ كافٍ لمراقبة مسار علاقات إسرائيل مع شركائها الجدد بعيونٍ قلقةٍ، فقد انحسر الزخم حول التوقيع الأوليّ، وإذا لم يتم ضخّ حياةٍ جديدةٍ في علاقات إسرائيل الجديدة مع الدول العربية، فيمكن أنْ تتحول هي أيضًا إلى شيءٍ لا يُقارن بالرؤية الأولية”.
مساء الأحد قبل انتهاء رمضان، استضافت وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة مائدة إفطار للدبلوماسيين المسلمين العاملين في إسرائيل. انضم السفيران التركيّ والمصريّ إلى وزير الخارجية إيلي كوهين والمدير العام رونين ليفي إلى الإفطار الرمضانيّ، وكذلك فعل عبد الرحيم بيود، رئيس مكتب الاتصال المغربي في إسرائيل.
لكنّ سفيرا البحرين والإمارات العربية المتحدة تغيّبا عن الحدث. تفسيراتهما بأنّهما كانا مشغولين ما كانت ستكون مثيرة للانتباه حتى وقت قريب، ولكن مع استعراض مجموعة من التطورات المحبطة، كان من الصعب عدم ملاحظة تغيبهما.
يبدو أنّ حلفاء إسرائيل الخليجيين فزعون بشأن أعضاء في حكومة نتنياهو. خلال أسبوعه الأول في السلطة، قام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بزيارة الحرم القدسي، ممّا دفع أبو ظبي إلى انتقاد اقتحام باحة المسجد الأقصى والدعوة إلى وقف الانتهاكات الخطيرة والاستفزازية، كما شاركت في تقديم طلبٍ أدى إلى عقد اجتماعٍ طارئٍ لمجلس الأمن الدوليّ، ممّا زاد من تصعيد القضية على الساحة الدوليّة.
مارس نتنياهو الضغوطات من أجل القيام بأوّل زيارةٍ له إلى الإمارات في الأسبوع المقبل، لكن الإماراتيين أجّلوا زيارته، مشيرين إلى مشاكل في الجدول الزمنيّ، وأكّد دبلوماسيٌّ شرق أوسطيّ تحدث مع مجلّة (تايمز أوف إسرائيل) أنّ تصرفات بن غفير كانت وراء تأجيل الزيارة، وقال دبلوماسيٌّ في أواخر فبراير “تمّ اتخاذ قرار لإبطاء التواصل العلنيّ”.
منذ ذلك الحين، لم تتّم دعوة أيّ مسؤولٍ إسرائيليٍّ كبيرٍ إلى الإمارات أوْ إلى البحرين، ولم يُرسِل البلدان أيّ وزيرٍ إلى إسرائيل، وقد أدانت الدولتان الخليجيتان، الإمارات على وجه الخصوص، مرارًا وعلنًا القادة الإسرائيليين وسياسات الكيان.
بعد أسابيع في باريس، قال وزير المالية بتسلسل سموتريتش إنّ الشعب الفلسطينيّ هو مجرد “اختراع” من القرن الماضي، وردًا على ذلك، بعث وزراء خارجية الدول الست في مجلس التعاون الخليجيّ، بما في ذلك البحرين والإمارات، برسالة إلى وزير الخارجيّة الأمريكيّ أنتوني بلينكن يدينون فيها سموتريتش.
كما انتقدوا إسرائيل بسبب اقتحامات متكررة من قبل المستوطنين الإسرائيليين في باحات المسجد الأقصى المبارك، والبناء الاستيطاني، وعمليات عسكرية في الضفة الغربية، وطرد الفلسطينيين من منازلهم في القدس، ومحاولات لتغيير الطابع القانوني والتكوين الديموغرافي والترتيبات الخاصة بالأماكن الإسلامية المقدسة.
وفي منتصف شهر آذار (مارس)، التقى المسؤول الكبير في الحكومة الإماراتية خلدون المبارك مع نتنياهو وحذّره من أنّ سلوك الحكومة الإسرائيليّة يوتر العلاقات بين البلدين. ونُقل عن المبارك قوله لنتنياهو “توجّه هذه الحكومة يتعارض تمامًا مع اتفاقيات إبراهيم”.
في أعقاب الهجوم الذي أسفر عن مقتل شقيقين إسرائيليين في بلدة حوارة بالضفة الغربية في شهر فبراير، قال سموتريتش إنّه ينبغي “محو” البلدة. وبعد أنْ اعتدى مستوطنون إسرائيليون على بلدة حوارة، أمر الرئيس الإماراتيّ محمد بن زايد بالتبرع بمبلغ 3 ملايين دولار لإعادة إعمار البلدة الفلسطينية بالضفة الغربية، وفي الأسبوع الماضي، أدانت الإمارات بقوّةٍ تصويتًا في الكنيست لصالح إلغاء قانون ينص على إخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
وتظهر المعطيات أيضًا اتجاهًا مقلقًا لا لبس فيه: كلما تقدّم الوقت، تصبح اتفاقيات إبراهيم أقل شعبيّةً في شوارع حلفاء إسرائيل الجدد، فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها (معهد واشنطن) أنّ 45 بالمائة من البحرينيين حملوا وجهات نظر ايجابيّة للغاية أوْ ايجابيّة إلى حدٍّ ما بشأن الاتفاقيات في نوفمبر 2020. وقد تآكل هذا الدعم بشكلٍ مطردٍ إلى 20 بالمائة بحلول آذار (مارس) من هذا العام.
نفس الاتجاه في الإمارات، فقد نمت نسبة 49 بالمائة من مواطني هذا البلد الذين رفضوا اتفاقيات إبراهيم في عام 2020 إلى أكثر من الثلثين في الشهر الماضي. ويؤيد 31 بالمائة فقط من المغاربة التطبيع، بحسب شبكة (الباروميتر العربي).
ويُصِّر دبلوماسيٌّ إسرائيليٌّ منخرطٌ في اتفاقيات إبراهيم على أنّ الإدانات هي عواقب طبيعية للتوجهات الإيجابيّة. وقال: “هناك المزيد من الانتقادات لأنهم منتبهون. نحن هناك الآن وهم يسمعوننا أكثر ونحن نسمعهم أكثر”.
وأضاف أنّ اتفاقيات إبراهيم كانت مفاجأةً لجميع الأطراف المعنيّة، وسيستغرق الأمر وقتًا حتى يفهم الجميع كيفية العمل مع بعضهم البعض، متوقعًا أنّه سيكون هناك ارتفاع ملحوظ في الزيارات المتبادلة بعد رمضان وستعقد (قمة النقب) في المغرب.
وقالت موران زاغا، وهي خبيرة في شؤون الخليج في (ميتفيم – المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية)، محذرةً: “هناك توتر متزايد بين الدول، وهناك زيادة في استخدام الإدانات، إنّنا نختبر صبرهم”، مؤكّدةً أنّ “هناك الكثير من الأدوات الدبلوماسية – التوبيخ واستدعاء السفراء – التي اختارت الدول عدم استخدامها.”
وتابعت: “التباطؤ في العلاقات المتنامية إذن ليس علامة على أنّ اتفاقيات إبراهيم في خطرٍ جسيمٍ في هذه المرحلة، لكن شركاء إسرائيل ينتظرون حتى يتأكّدوا من أنّ نتنياهو قد سيطر على حكومته.”
ولفتت زاغا إلى أنّ “هذه الحكومة وقعت اتفاقية ائتلافية تلتزم بها بأنها لن تفعل أيّ شيءٍ للإضرار باتفاقيات إبراهيم، يمكنهم إنشاء قوّةٍ مضادّةٍ للضغط على نتنياهو من أجل جعل اليمين المتطرف أكثر اعتدالاً، يمكن لدول الخليج أنْ يكون لها تأثير مسبب للاعتدال داخل إسرائيل”.
واختتمت:”إنّهم يريدون تجنّب سيناريو يُرحّبون فيه بنتنياهو في القصر قبل أيام من جولة أخرى من العنف بين إسرائيل والفلسطينيين، أوْ تصريحٍ لوزيرٍ متهورٍ يتصدر عناوين الأخبار الرئيسيّة”، على حدّ تعبيرها.