إسرائيل ورهان إعادة الشاه: دعاية رقمية، اضطرابات داخلية، وخيارات عسكرية على الطاولة

 إسرائيل ورهان إعادة الشاه: دعاية رقمية، اضطرابات داخلية، وخيارات عسكرية على الطاولة

واشنطن – سعيد عريقات 

تدفع إسرائيل، بوضوح متزايد، باتجاه تسويق وإعادة تأهيل رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، بوصفه بديلاً سياسياً محتملاً لنظام الجمهورية الإسلامية، مستخدمةً أدوات دبلوماسية وإعلامية ورقمية متشابكة. هذا المسعى، الذي ظل لسنوات في دائرة التلميح، بات اليوم أكثر فجاجة، لا سيما بعد الزيارة العلنية التي قام بها بهلوي إلى إسرائيل نيسان 2023، قبيل شن إسرائيل حرب إبادة مدمّرة على غزة. الزيارة لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة كاشفة لطبيعة الرهان الإسرائيلي على “معارضة مريحة” في المنفى، قابلة للتسويق خارجياً وإن كانت منزوعة الجذور داخلياً.

تأتي هذه التحركات فيما تدخل إيران أسبوعها الرابع من الاحتجاجات المتواصلة، التي اندلعت على خلفية أزمات اقتصادية خانقة قبل أن تتحول إلى موجة غضب سياسي ومواجهات عنيفة. ولم تنجح السلطات في إخماد الشارع حتى هذه اللحظة وسط اتهامات بتدخل أميركي لزعزة النظام. اللافت أن سقف الشعارات ارتفع سريعاً من مطالب معيشية إلى هتافات تطعن بشرعية النظام نفسه، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً-جديداً حول “اليوم التالي” في إيران، ومن يملك حق تمثيل هذا الغضب الشعبي.

في هذا السياق، تبدو زيارة رضا بهلوي إلى إسرائيل في عام 2023 جزءاً من عملية سياسية-إعلامية محسوبة. فقد استُقبل بوصفه “ولي عهد إيران”، وجرى الترويج للزيارة على أنها دليل على أن العداء بين طهران وتل أبيب هو عداء أنظمة لا شعوب. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية: بهلوي، رغم حضوره بين بعض أوساط الجاليات الإيرانية في الخارج، يحمل إرثاً ثقيلاً بوصفه نجل نظام ملكي ارتبط بالقمع والفساد والتبعية للغرب، ولا يوجد ما يثبت أن الشارع الإيراني، الغارق اليوم في أزماته، يتوق إلى عودة التاج.

بهلوي نفسه يقدّم خطاباً ناعماً، مفعماً بمفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمقاومة السلمية. لكنه، في الوقت ذاته، لا يخفي حاجته إلى “الدعم الدولي”، وهو تعبير دبلوماسي فضفاض يفتح الباب واسعاً أمام التدخل الخارجي. وعندما سُئل عن ردود الفعل على زيارته لإسرائيل، أحال الصحفيين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن “الإجابة أمام أعينهم”. غير أن التحقيقات اللاحقة كشفت أن جزءاً كبيراً من هذا “التأييد الرقمي” لم يكن عفوياً.

تحقيقات صحيفتي “هآرتس” و”ذا ماركر” كشفت عن حملة تأثير رقمية واسعة باللغة الفارسية، أُديرت من داخل إسرائيل، ومُوّلت بشكل غير مباشر من جهات تحظى بدعم حكومي. هذه الحملة اعتمدت على حسابات وهمية وشخصيات مزيفة تنتحل صفة مواطنين إيرانيين، وتستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتضخيم صورة بهلوي والترويج لفكرة استعادة الملكية. الأخطر أن بعض هذه الحملات تزامن زمنياً مع عمليات عسكرية إسرائيلية، ما يشير إلى تداخل مقلق بين الدعاية الرقمية والعمل العسكري.

باحثو “سيتيزن لاب” في جامعة تورونتو أضافوا بعداً أكثر خطورة للقضية، إذ توصلوا إلى وجود شبكة أخرى من الحسابات المزيفة، يرجّح أنها مرتبطة مباشرة بالحكومة الإسرائيلية أو بمتعاقدين يعملون لحسابها. هذه الشبكة نشرت محتوى مُعداً سلفاً خلال قصف سجن إيفين في طهران، بما يوحي بمعرفة مسبقة بالهجوم. هنا لا يعود الحديث عن “تعاطف مع المعارضة”، بل عن حرب معلومات متكاملة، تُدار بالتوازي مع التصعيد العسكري.

يشار إلى أنه في خضم هذه التطورات، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأحد إنه يدرس مجموعة من الردود على الاضطرابات المتصاعدة في إيران، بما في ذلك خيارات عسكرية محتملة. وأشار، رداً على سؤال حول “الخط الأحمر” المتمثل في قتل المتظاهرين، إلى أن طهران “بدأت تفعل ذلك”، مؤكداً أن الجيش الأميركي يتابع التطورات وأن قرارات “قوية جداً” قيد الدراسة. وفيما أُبلغ ترامب بخيارات لضربات عسكرية، عبّر مشرعون جمهوريون وديمقراطيون عن شكوكهم في جدوى الخيار العسكري، بينما رفعت إسرائيل مستوى التأهب تحسباً لأي تدخل أميركي.

ويكشف الرهان على رضا بهلوي أزمة خيال سياسي لدى إسرائيل وحلفائها، إذ يجري استدعاء نموذج من الماضي باعتباره حلاً لأزمة معاصرة معقدة. تجاهل التحولات الاجتماعية العميقة داخل إيران، والاعتماد على شخصية منفية منذ عقود، لا يعكس قراءة واقعية للشارع الإيراني، بل رغبة في إنتاج “بديل جاهز” يخدم أجندات خارجية أكثر مما يستجيب لمطالب الداخل.

ولعل الأخطر من التلاعب بالأسماء هو تطبيع استخدام التضليل الرقمي من قبل دول تصف نفسها بالديمقراطية. عندما تُستخدم الحسابات الوهمية والذكاء الاصطناعي لتوجيه الرأي العام بالتوازي مع القصف العسكري، فإن الفارق الأخلاقي بين الديمقراطيات والأنظمة السلطوية يتآكل. ما يجري في الفضاء الفارسي ليس استثناءً، بل نموذجاً لحروب المستقبل، حيث تُخاض المعارك على الشاشات بقدر ما تُخاض على الأرض.

في المحصلة، تكشف قضية رضا بهلوي وحملات الترويج له عن تقاطع خطير بين الاضطرابات الداخلية في إيران، والطموحات الإسرائيلية، والتردد الأميركي بين الضغط والتدخل. وبينما يدفع الإيرانيون ثمن القمع في الشوارع، تتصارع القوى الخارجية على رسم مستقبلهم من خلف الشاشات.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *