واشنطن لن تجبر إسرائيل الالتزام بالهدنة رغم إطلاق المرحلة الثانية في غزة
واشنطن – سعيد عريقات
أفادت مصادر مطلعة الخميس أن الولايات المتحدة لن تمارس الضغوط المطلوبة على إسرائيل لإجبارها على الحفاظ على الهدنة في قطاع غزة، رغم إعلان مبعوث الرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف يوم الأربعاء (14/1/26) عن انطلاق المرحلة الثانية من العمليات العسكرية في القطاع، وفق تصريحات المسؤول العسكري الأميركي ويتيكوف. وتأتي هذه الخطوة في وقت بالغ الحساسية يشهد فيه القطاع تصاعد التوترات الأمنية، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين نتيجة استمرار الصراع.
المرحلة الثانية، وفق تصريحات المسؤولين، قد تشمل تحركات عسكرية وإستراتيجية جديدة لم يكشف عن تفاصيلها الكاملة بعد، لكن المصادر المحلية تشير إلى احتمال تصعيد العمليات واستهداف مواقع محددة، بما قد يزيد من معاناة المدنيين ويعمق الأزمة الإنسانية. ويعتقد خبراء أمنيون أن استمرار العمليات دون ضغوط دولية صارمة يضعف فرص التهدئة ويهدد استقرار القطاع على المدى القصير والمتوسط.
يشار إلى أنه في هذا السياق، يكتنف الغموض مسألة اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية التي أعلنت مؤخراً، إذ لم يتضح بعد من المسؤول المباشر عنها ولمن تأتمر. إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سيتولى رئاسة ما يسمى بـ “مجلس السلام في غزة”، سيكون المرجعية المسؤولة بشكل مباشر عن عمل اللجنة. وأفادت المصادر بأن أعضاء لجنة إدارة قطاع غزة بدأوا بالوصول إلى القاهرة تمهيداً للمشاركة في الاجتماعات المرتقبة الخاصة بترتيبات الإدارة المدنية للقطاع خلال المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع أن يوضح الرئيس ترمب هذه المسائل في منتدى داوفوس الأسبوع المقبل، حيث سيشارك في المنتدى يوم الأربعاء، 21 كانون الثاني، الذي يصادف مرور عام على استلامه البيت الأبيض.
وفيما يخص هيكل اللجنة الوطنية الفلسطينية، أشارت المصادر إلى أن الدكتور علي شعث سيشغل منصب رئيس اللجنة ويتولى ملفي الطاقة والنقل، بينما يتولى الدكتور بشير الريس الملف المالي، والدكتور جبر الداعور ملف التعليم، والدكتور عايد ياغي ملف الصحة. ويتولى رامي هلس مسؤولية الشؤون الدينية، والدكتور علي برهوم ملف المياه والبلديات، وعدنان أبو ورده ملف العدل والقضاء، وهناء طرزي ملف الشؤون الاجتماعية، وأسامة السيدواي ملف الأراضي والإسكان، وعبد الكريم عاشور ملف الزراعة، إضافة إلى إشراف الدكتور علي شعث مؤقتاً على ملفي الطاقة والنقل، وعمر شمالي ملف الاتصالات، وعايد أبو رمضان ملفات الاقتصاد والتجارة والصناعة، بينما يتولى حسني المغني الشؤون العشائرية، واللواء سامي نسمن ملف الشؤون الداخلية. وأكدت المصادر أن الاجتماع المرتقب سيبحث آليات عمل اللجنة، تحديد أولويات المرحلة الأولى، ومناقشة سبل تنسيق الجهود مع الأطراف الإقليمية والدولية، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية وإعادة تنظيم الإدارة المدنية في القطاع، في ظل ترتيبات دولية وإقليمية أوسع لتأسيس إدارة مدنية ذات طابع تكنوقراطي، تعتمد على الكفاءة المهنية وتلبي الاحتياجات المعيشية والخدمية للسكان في ظل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المعقدة.
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية ، دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في ما تعتبره “ضرورات أمنية مشروعة”، من دون التدخل المباشر في ضمان الالتزام بالهدنة. هذه السياسة تعكس التوازن المعقد بين الشراكة الإستراتيجية الوثيقة مع تل أبيب والالتزامات الدولية تجاه حماية المدنيين. خبراء دوليون يرون أن هذا الموقف يعزز من شعور إسرائيل بحرية اتخاذ قرارات عسكرية دون مساءلة، وهو ما قد يؤثر على الديناميات المستقبلية للصراع، ويزيد من تعقيد مهام أي لجنة فلسطينية جديدة تحاول إدارة الأوضاع في غزة.
وبحسب الخبراءـ فإن الموقف الأميركي يوضح بجلاء التناقض بين الدعم الاستراتيجي والتحفظ الدبلوماسي، وإن عدم الضغط على إسرائيل قد يُفهم على أنه موافقة ضمنية على كسر الهدنة، ما يضع واشنطن في مواجهة انتقادات دولية متنامية. هذا التوازن الهش بين التحالف الأمني مع إسرائيل والمساءلة الإنسانية يعكس التحديات الكبرى للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ويبرز الصعوبات التي تواجهها واشنطن في التوفيق بين مصالحها الإستراتيجية والالتزامات الأخلاقية تجاه المدنيين المتضررين من الصراع، بما يشمل اللجنة التكنوقراطية.
على صعيد آخر، يعيش الفلسطينيون في غزة ظروفاً مأساوية نتيجة الحصار الطويل وانعدام الخدمات الأساسية. أي تصعيد عسكري إضافي قد يؤدي إلى نزوح جماعي وتفاقم الأزمة الإنسانية، بما يزيد من الضغوط على المنظمات الدولية والمحلية لتقديم الدعم، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم وسط تصاعد العمليات العسكرية، فيما يبقى مصير أي هيئة فلسطينية تحت إشراف أميركي غامض ومثار جدل.
كما أن تجاهل الولايات المتحدة للتهديدات المحتملة لكسر الهدنة قد يترك آثاراً بعيدة المدى على مسار الصراع. فهو يمنح إسرائيل هامشاً أوسع في التحرك العسكري دون مساءلة، ويقلل من فعالية المجتمع الدولي كضابط للتوازن. هذا الوضع قد يعقد فرص التهدئة، ويدفع الفلسطينيين للاعتماد أكثر على الدعم الإقليمي والدولي لتخفيف آثار العمليات العسكرية، ما يزيد من تعقيد الحلول السياسية المستقبلية ويجعل الوصول إلى سلام دائم أكثر صعوبة، ويعمّق دائرة الصراع المستمر في المنطقة، ويضاعف الالتباس حول اللجنة التكنوقراطية الجديدة.
ويعتقد مراقبون أن المرحلة الثانية قد تكون اختباراً حقيقياً للسياسة الأميركية في المنطقة، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية على واشنطن للقيام بدور أكثر فاعلية في حماية المدنيين. أي تصعيد إضافي سيؤدي بلا شك إلى انعكاسات دبلوماسية واسعة تشمل إدانات من الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وربما توتر العلاقات مع بعض الدول العربية، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة، ويضع اللجنة التكنوقراطية تحت مراقبة صارمة وغير واضحة النتائج.
في الختام، تبرز الأزمة الحالية في غزة كدليل صارخ على هشاشة التوازن بين الاعتبارات الاستراتيجية والأبعاد الإنسانية. التركيز على دعم الأمن الإسرائيلي دون الالتفات لتداعيات العمليات على المدنيين يعكس تحديات كبيرة أمام المجتمع الدولي، ويجعل أي جهود لتحقيق تهدئة مستدامة أو حل سياسي دائم أكثر تعقيداً. استمرار المرحلة الثانية دون تدخل فاعل قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويزيد من معاناة السكان في القطاع، مع تأثيرات طويلة المدى على الاستقرار الإقليمي، ويزيد من غموض دور أي لجنة فلسطينية تحت إشراف أميركي.
