ما هي المفاجأة الإيرانية التي أربكت ترامب وكشفها ويتكوف؟ وكيف أكد خطاب “حال الاتحاد” بداية العد التنازلي لرحيله؟ ومن هو “خامنئي” أمريكا الأكثر خطرا؟

 ما هي المفاجأة الإيرانية التي أربكت ترامب وكشفها ويتكوف؟ وكيف أكد خطاب “حال الاتحاد” بداية العد التنازلي لرحيله؟ ومن هو “خامنئي” أمريكا الأكثر خطرا؟

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان
إذا كانت حرب الإبادة في غزة قد أطاحت بالحزب الديمقراطي ورئيسه جو بايدن، فإن حرب ايران سواء في جولتها الأولى في حزيران (يونيو) الماضي، او جولتها الثانية التي ينتظر العالم كله بدئها في أي لحظة هذه الأيام، قد دقت المسمار الأكبر والقاتل، بنعش الرئيس ترامب وحزبه الجمهوري.
خطاب “حالة الاتحاد” الذي أدلى به الرئيس ترامب في حضور مجلسي الشيوخ والنواب وقادة المؤسسات السياسية والعسكرية الامريكية ليلة امس الذي استخدمه صاحبه للتمهيد للجولة الأكبر من هذه الحرب، وإقناع الشعب الأمريكي بمبرراته الكاذبة، والمزورة، أعطى نتائج عكسية تماما، وأبرزها انهيار شعبيته وحزبه بشكل غير مسبوق، ومقاطعة الكثيرين للخطاب من نواب المؤسستين التشريعيتين خاصة.

المؤشر الأهم في رأينا، هو موقف المؤسسة العسكرية الامريكية، وقيادتها الرافض للحرب القادمة، وحشد حاملتي طائرات، وأكثر من 20 مدمرة، و300 طائرة مقاتلة، وحوالي مئة ألف جندي لخوضها، وليس لمصلحة امريكية، وانما إسرائيلية بحتة، وربما تجر البلاد الى حرب عالمية، او فيتنام أخرى، فإيران ليست سورية، او ليبيا، او العراق، او أفغانستان، او حتى فنزويلا، ولن تكون أيا من هذه الدول على الصعد كافة.
تابعت شخصا، وعبر كاميرات البث التلفزيوني التي نقلت الخطاب لمئات الملايين داخل أمريكا وخارجها، وخاصة اللقطات التي ركزت على مكان جلوس قادة الجيش الأمريكي وجنرالاته الذين كان لهم جناح خاص في قاعة الحضور، لرؤية ردود فعلهم، وملامح وجوههم، تجاه فصول هذا “السيرك الترامبي” وكانت هذه الوجوه ممتقعة وقلقة، وغير مرتاحة، وخاصة وجه الجنرال دان كين رئيس هيئة اركان الجيوش الأمريكية الذي أعلن معارضته للحرب ضد إيران، لانها ستكون طويلة واستنزافية ومكلفة جدا، ولا تخدم المصالح الامريكية، بل لا داعي لها على الاطلاق.


أربع أكاذيب كبرى ساقها الرئيس ترامب في خطابه، في محاولة لإقناع الرأي العام الأمريكي بخوض الحرب ضد إيران:

الأولى: ان ايران تسعى حاليا لإعادة ترميم وبناء المنشآت النووية التي ادعى تدميرها كليا في حرب حزيران الماضي.
الثانية: استخدام ايران القوة المفرطة ضد المحتجين من المدنيين وقتل 32 الفا منهم.
الثالثة: تطوير صواريخ مداها 3000 كم لضرب أوروبا، والآن بدأت ايران تطوير صواريخ مداها أكثر من 15 ألف كيلومتر للوصول الى الأراضي الامريكية.
الرابعة: ان السلطة الإيرانية الحاكمة لم تنطق مطلقا بعدم تركيب أي قنابل نووية إيرانية، وينسى ان الاتفاق النووي الذي يؤكد هذه الحقيقية وجرى التوصل اليه في عهد حكومة أوباما عام 2015 أقدم هو بنفسه على الغائه، وان هناك فتوى رسمية من السيد الامام علي خامنئي بتحريم انتاج هذا السلاح.

هذه الأكاذيب الأربع لا يمكن ان تنطلي على نصف أعضاء مجلس النواب الديمقراطي (الكونغرس) الذين قاطعوا الخطاب على رأسهم النائبة الصومالية الأصل البطلة الهان عمر، بينما لم يحضر 30 عضوا (سيناتور) ديمقراطي من حزب الشيوخ (من مجموع 50 تقريبا)، علاوة على 63 بالمئة من الشعب الأمريكي الذين قالوا ان ترامب لم يحقق المعجزات ولا الحد الأدنى من توقعاتهم وامانيهم الاقتصادية، ولم يدشن عصرا اقتصاديا ذهبيا مثلما ادعى في خطابه.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبه ترامب ويؤكد غباءه، وتبعيته لإملاءات دولة الاحتلال الإسرائيلي، يتمثل في اعتقاده ان حشد الاساطيل وحاملات الطائرات ومئات الآلاف من الجنود، سيرعب ايران وسيدفعها الى الاستلام والرضوخ لكل شروطه، وثبت العكس تماما في جميع جولات المفاوضات، قديمها في فيننا (عام ونص العام)، او حديثها في مسقط وجنيف.
كل المؤشرات تؤكد ان ايران لن تستلم، ولن ترفع الرايات البيضاء مهما تعاظمت التهديدات التي سيحملها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وتابعه جاريد كوشنر الى لقاء جنيف الثاني برعاية عُمانية يومي الخميس والجمعة، ولعل المبعوث ويتكوف أصاب كبد الحقيقية وقلبها، عندما قال في حديث لقناة “فوكس” ان “اكثر ما يحير الرئيس ترامب ان الإيرانيين ورغم كل هذه الحشودات العسكرية الامريكية لم يأتوا “راكعين” الينا، طلبا للتوقيع على الاستسلام”.
جوابنا، والكثيرون مثلنا، على هذه الحيرة الترامبية، هو انه غبي أولا، ولا يعرف ايران، وإرثها ولا تاريخها الذي يمتد لآلاف السنوات، ولا العالم الإسلامي ثانيا، واوقعه حلفاؤه الإسرائيليين في حفرة بلا قاع، ولن يخرج منها مطلقا، الا مهمشا ذليلا مهزوما ثالثا، وفائزا بجائزة الكذب والتهريج الأعظم.
الذي قد يتغير من جراء أي عدوان امريكي وشيك على ايران هو النظام الأمريكي بزعامة ترامب وليس النظام الإيراني، ومثلما خرجت أمريكا مهزومة من فيتنام وأفغانستان، وسحبت أكثر من 160 ألف جندي من العراق لتقليص خسائرها، سيتكرر السيناريو نفسه، ان لم يكن أخطر، في حال المضي قدما في العدوان على ايران.


أمريكا فقدت زمام المبادرة، والهدف الرئيسي من أي حرب قادمة في ايران ليس تغيير النظام، فهذه مهمة مستحيلة حتى الآن، وانما استعادة هيبتها، وقدرتها على الردع العسكري المفقود.
حرب حزيران الماضي، أظهرت ضعف وهشاشة “إسرائيل”، وأكذوبة تفوقها العسكري في المنطقة، وتراجع قدرات الردع الامريكية، ومن غير المستبعد ان يؤدي أي عدوان قادم ضد ايران على تعميق هذه الحقائق، وحالة الارتباك الإسرائيلية الحالية المتصاعدة أحد أبرز الأدلة.
من أسباب قوة القيادة الإيرانية التي تقف خلف صمودها، ليس فقط الاستعدادات الجيدة للحرب، وتطوير أسلحة جديدة، واستيراد أخرى في الصين وروسيا وكوريا الشمالية، ووصولها الى قناعة راسخة عميقة، تقول ان خوض حرب مع ترامب أهون بكثير وأقل ثمنا من التخلي عن محرماتهم وسيادتهم والتخلي عن أقوى سلاح في أيديهم وهو الصمود، فتقديم التنازلات رضوخ واستسلام، وتخلي عن الإيديولوجية الإسلامية والسيادة الوطنية.
نعم.. تجنب الحرب أولوية قصوى بالنسبة الى ايران، ولكن ليس بأي ثمن، أو على حساب الكرامة والعقيدة والصواريخ التي تصل الى قلب تل ابيب والتخصيب المشروع لليورانيوم.
القيادة الإيرانية في اعتقادنا لن تكرر الاخطاء الليبية والعراقية وتتخلى عن سلاحها مصدر قوتها الأساسية وتقع في مصيدة الخداع الأمريكي والاسرائيلي مفتوحة الأعين.. والحياة وقفة عز.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *