لماذا يكثّف الاعلام العبري تسريباته حول فشل الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف.. ولأي هدف؟ وهل سيكون نتنياهو “المهزوم” البادئ بالعدوان؟ وما هي العبارة التي قالها الخامنئي ودخلت القاموس العسكري العالمي من أوسع ابوابه؟

 لماذا يكثّف الاعلام العبري تسريباته حول فشل الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف.. ولأي هدف؟ وهل سيكون نتنياهو “المهزوم” البادئ بالعدوان؟ وما هي العبارة التي قالها الخامنئي ودخلت القاموس العسكري العالمي من أوسع ابوابه؟

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان
إذا صحت التصريحات التي وردت بالأمس على ألسنة بعض المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين الذين شاركوا في الجولة الثانية من المفاوضات في السفارة العُمانية في جنيف، وأكدت على وجود تقدم ملموس، وهي تبدو غير ذلك، لقصر مدة المفاوضات واستغراقها عدة ساعات فقط، فإن احتمالات المواجهة العسكرية باتت اقوى، وأقرب، والهدف الأمريكي الخفي هو كسب الوقت انتظارا لاستكمال التحشيد العسكري سواء في البحار المحيطة او القريبة من إيران (بحر العرب والاحمر، والمحيط الهندي، والقواعد الامريكية البرية في الدول المحيطة بها مثل قطر والامارات والكويت والبحرين).
دولة الاحتلال الإسرائيلي هي التي تدفع بإتجاه إفشال المفاوضات والتعجيل بالحرب بفرض شروط تعجيزية مثل وقف كامل للتخصيب، ونقل اليورانيوم المخصب بنسبة عالية او منخفضة، الى خارج ايران، وتقليص اعداد وابعاد الصواريخ الباليستية، ووقف امدادات الدعم المالي والعسكري لفصائل المقاومة، وكل هذا يأتي في إطار الضغط على الرئيس ترامب لتسريع العدوان.


“إسرائيل” ستكون الخاسر الأكبر في حال التوصل الى أي اتفاق امريكي إيراني، لانه يعني رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية المتفرعة عنه، وتدفق مئات المليارات على الخزينة الإيرانية بالتالي من جراء رفع كل القيود عن صادرات النفط وعودته الى الأسواق العالمية بحرية مطلقة، مما يعني رخاء اقتصاديا، ووفرة مالية بعد حصار استمر 47 عاما، وتطوير الخدمات العامة للشعب، والاهم من ذلك المزيد من التحديث في الاعداد والامكانيات والمعدات للصناعة العسكرية الإيرانية، والأهم من كل هذا وذاك بقاء النظام الإسلامي الذي هدد ترامب اكثر من مرة لتغييره، وهدد وتوعد باغتيال مرشده الأعلى وتغيير القيادة في طهران كأضعف الايمان.
الصمود الإيراني بالتمسك بالخطوط الحمراء جميعا، والتأكيد في كل جولات المفاوضات القديمة في فيينا التي استمرت العام ونصف العام، او الجديدة الأحدث في مسقط عاصمة سلطنة عُمان على التمسك بحق التخصيب، وعزل مسألة الصواريخ الباليستية بإعتبارها مسألة داخلية إيرانية تشكل جوهر السيادة الوطنية، هذا الصمود المعزز بعدم الخوف من التهديدات العسكرية الامريكية، وحشد حاملات الطائرات والبوارج الحربية في مياه الشرق الأوسط، كلها عوامل أربكت الرئيس ترامب وادارته، وشكلت كابوسا لدولة الاحتلال الإسرائيلي.
إطالة أمد المفاوضات، وتناسل جولاتها، ودون التوصل الى اتفاق يتضمن بنودا بالرضوخ للشروط الاسرائيلية كاملة، أي نزع انياب إيران العسكرية والنووية ومخالبها الصاروخية والمسيّراتية، ووقف الدعم المالي والعسكري لفصائل المقاومة، ورفع الحصار، أدى هذا الصمود في نهاية المطاف الى إجهاض كل مخططات الهيمنة الإسرائيلية ابتداء من وأد مبدأ المقاومة، وانتهاء بتسريع قيام إسرائيل الكبرى.
اللافت ان فصائل المقاومة تتعافى وتستعيد قواها وقدراتها العسكرية والبشرية بسرعة، وخاصة في لبنان واليمن والعراق، وحتى في قطاع غزة، فالغارات والاغتيالات الإسرائيلية المستمرة منذ عام وأكثر من سريان وقف إطلاق النار في لبنان، وما رافقها من ضغوط أمريكية وعربية لم تنجح في نزع سلاح “حزب الله”، او تدمير القدرات الصاروخية البرية والبحرية لحركة “انصار الله” في اليمن، وفك العلاقات التحالفية القوية لمعظم فصائل المقاومة العراقية، عسكرية كانت او سياسية مع الجارة الإيرانية.
بالأمس تباهى الجيش الإسرائيلي بنجاحه، وبعد أكثر من عامين من حرب الإبادة والتجويع والتطهير العنصري، لتدمير 150 نفقا فقط من مجموع 500 نفق في قطاع غزة، ويا له من انتصار، ويا لها من مقاومة، ويا لها من عقول جبارة ليس في بناء هذه الانفاق التي تحتاج الى اسمنت، وحديد، وحفر، وتراب، فشلت في رصدها المخابرات الإسرائيلية التي صدعت العالم بدقتها وتفوقها، وانما أيضا في هذا الصمود بكتائب القسام، واجراء كوادرها انتخابات لاختيار قيادة جديدة في الضفة والقطاع والخارج لمؤسساتها ومكتبها السياسي.


الرد الإيراني الذي تمثل بالتمسك بـ”قدسية” البرامج الصاروخية الباليستية، والطائرات المسيّرة، مدعوما ببدء مناورات عسكرية مع روسيا في مضيق هرمز ومياه بحر العرب أبرز أهدافها اغلاق المضيق في وجه 22 مليون برميل يوميا تتدفق الى الأسواق العالمية، والتصدي الى حاملات الطائرات والبوارج في حال نشوب أي حرب، مما قد يرفع سعر البرميل بين 200 و500 دولار للبرميل حسب طول هذه الحرب وقصرها.
الامام السيد علي خامنئي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في السلم والحرب، استخدم عبارة دخلت القاموس العسكري البحري من أوسع ابوابه، وقد تؤدي ترجمتها عمليا الى تحديد نتائج أي حرب قادمة عندما قال “نعم حاملات الطائرات قوة حربية لا يستهان بها، ولكن ما هو أخطر منها هي الصواريخ الإيرانية التي ستدمرها وستغرقها في قاع البحر”.
السيد خامنئي لا يقول هذا الكلام، والتلويح بالتهديد من أجل التخويف، مثلما يفعل ترامب بكثرة هذه الأيام، وانما انطلاقا من معرفته لكل تفاصيل قدرات أسلحة بلاده العسكرية المستعدة للرد على أي عدوان، ولعل ما حدث في حرب حزيران (يونيو) الماضي، حرب الـ 12 يوما، أحد الأدلة الدامغة التي تؤكد هذا الكلام، ومفاجآت الرد في الحرب القادمة، وربما الوشيكة ستكون أعظم.
يتراجعون في تهديداتهم وخططهم بالتلويح بحرب طويلة الأمد، بعد ان كانت بضربة سريعة محدودة، فيلكن، فهذا ما يتمناه قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني عندما قالوا انهم سيحولون أي عدوان الى حرب إقليمية، فكلما طال أمد الحرب كلما تعاظمت الخسائر لانها ستكون حرب استنزاف تتعارض مع العقيدة الجديدة للجيوش الامريكية وحروبها القادمة التي وضعها البنتاغون وأعلن عنها الشهر الماضي، أي حرب قصيرة سريعة نظيفة تجنبا للخسائر، وتقليصا لحجمها.
نهاية أمريكا وهيبتها كدولة عظمى ستكون على يد نتنياهو وكيانه.. والأيام بيننا.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *