لماذا يسارع نتنياهو بالتباهي باغتيال لاريجاني وسليماني “بفيديو” تحت الأرض وقبل تأكيد الخبر؟ وما الذي يريد اخفاءه والتستر عليه؟ ولماذا أُحيي هذا الأمريكي الشريف الشجاع؟

 لماذا يسارع نتنياهو بالتباهي باغتيال لاريجاني وسليماني “بفيديو” تحت الأرض وقبل تأكيد الخبر؟ وما الذي يريد اخفاءه والتستر عليه؟ ولماذا أُحيي هذا الأمريكي الشريف الشجاع؟

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

خرج علينا بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في فيديو مسجل متفاخرا باغتيال الشهيد علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والمستشار الأمني والعسكري للأمام الشهيد علي خامنئي، وقال ان إسرائيل “قضت” أيضا على الجنرال غلام رضا سليماني رئيس جهاز الباسيج، وهي قوة شبه ​عسكرية تخضع لسيطرة الحرس ⁠الثوري.
نتنياهو ومنذ خمسة أيام لم يخرج في أي لقاء علني، عقد مؤتمرا صحافيا “مفبركا” عبر الذكاء الاصطناعي في محاولة يائسة للرد على التقارير الاعلامية التي تحدثت عن مقتله في غارة صاروخية إيرانية على مكتبه في قلب القدس المحتلة، وحتى لقاء “التباهي” الأخير كان “مسجلا” ربما في غرفة عمليات في طابق عاشر تحت الأرض.
حتى كتابة هذه السطور لم يصدر أي بيان من السلطات الإيرانية يؤكد عملية الاغتيال هذه، وجرى نشر رسالة بخط يد “الشهيد المفترض” لاريجاني يؤبن فيها استشهاد 84 بحارا في هجوم للقوات الامريكية على سفينة إيرانية في شرق آسيا كرد مباشر على نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس الذي كان اول من أعلن نبأ الاغتيال للشهيدين لاريجاني وسليماني.


نتنياهو وكيانه الذي يسير بسرعة قياسية على طريق الانهيار، يلجأ دائما الى عمليات الاغتيال لقيادات إيرانية، وقبلها لرموز “حزب الله” وزعامته الروحية مثل السيد حسن نصر الله، ونائبه السيد صفي الدين، لاظهار نفسه ودولته بمظهر القوي المنتصر، ولإخفاء الحقائق المغايرة على الأرض.
ما يريد نتنياهو اخفاءه والتغطية عليه، وابعاد الأنظار عنه هو الدمار الشامل الذي احدثته الصواريخ الإيرانية والأخرى التابعة لحزب الله في لبنان في معظم المدن “الإسرائيلية” المحتلة وخاصة تل ابيب، والقدس، وحيفا، وصفد واسدود وديمونا، وهي الصواريخ الدقيقة والعنقودية التي اخترقت معظم الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتطورة واصابت أهدافها بدقة، والأكثر من ذلك انها أفرغت جميع هذه المنظومات الدفاعية من رصيدها من الصواريخ بسبب رؤوسها الانشطارية، ودفعت بالمؤسسة العسكرية الامريكية الى إقامة جسر جوي طارئ لتعويض هذه الصواريخ بأسرع وقت ممكن.
تل ابيب العاصمة الاقتصادية للكيان الاسرائيلي، دمرت الصواريخ الإيرانية معظمها وتحولت الى مدينة اشباح، ووصل الأمر ببعض الذين اطلعوا على هذا الدمار بالعين المجردة، وسربوا صورا بعد خروجهم الى أماكن أوروبية آمنة لتجنب التعتيم والرقابة والعقوبات، الى مقارنة الاحياء السكنية والابراج المدمرة فيها بما حدث في مدينة غزة.
الإسرائيليون بارعون في فبركة فصول الحرب النفسية ضد الخصم، عربيا كان او إيرانيا، بالتركيز على اعمال الاغتيال هذه للقيادات في حكومات الخصم، وخاصة في ايران، وقبلها “حزب الله”، والادعاء انهم متقدمون استخباريا، وقادرون للوصول الى هذه القيادات بسهولة، لرفع معنويات مستوطنيهم الذين يعيشون منذ بدء العدوان على ايران في الملاجئ والانفاق بأعداد تفوق السبعة ملايين ليلا نهار، وصفارات الإنذار لم تتوقف طوال الأسبوعين الماضيين.
ينسى نتنياهو المتفاخر ان أكبر عمليات استخبارية احترافا ونجاحا ضد كيانه في التاريخ الحديث وحروبه كانت عربية، الاولى حرب العاشر من رمضان عام 1973، عندما اخترقت قوات الجيش المصري خط بارليف الإسرائيلي على طول قناة السويس في الساعة الواحدة ظهرا، والحقت هزيمة كبرى هزت هذا الكيان وصورته وتفوقه العسكري الاستخباري الكاذب، اما العملية الثانية فنفذتها خلية تابعة لكتائب “القسام” في حركة “حماس” “طوفان الأقصى” لا يزيد عدد رجالها عن 30 شخصا، اخترقوا الحدود ووصلوا الى قلب مستوطنات غلاف القطاع وقتلوا اكثر من 1500 مستوطن إسرائيلي، واسروا حوالي 350 آخرين، وعادوا الى قواعدهم ومعهم اسراهم سالمين، والمخابرات الإسرائيلية التي يتباها نتنياهو بعظمتها وانجازاتها تغط في نوم القيلولة، ويرفض حتى الآن التحقيق في هذا الاختراق الاستخباري والعسكري.
القيادات الإيرانية في معظمها قيادات مؤمنة طالبة وساعية للشهادة، فسيد الشهداء الامام علي خامنئي رفض ان يغادر بيته ويذهب الى ملجأ آمن، وفضل الشهادة وسط اسرته، اما الجنرال الدكتور لاريجاني فقد كان على رأس المظاهرة المليونية التي انطلقت في ميادين وشوارع العاصمة طهران وسط الجماهير، ودون أي حراسة، وكأنه يقول للطائرات الإسرائيلية والأمريكية انا هنا في العراء، واتحداكم، ولا أخاف منكم، واهلا بالشهادة.
الأهم من كل ما تقدم ان هذه الاغتيالات الإسرائيلية تعطي نتائج عكسية، فرغم تكرارها، ونجاح معظمها في الوصول الى الرؤوس القيادية، والسياسية او العسكرية او النووية تحديدا، فإنها تزيد الطرف المستهدف، وخاصة الإيراني، تشددا وصلابة، وتأتي بقيادات شابة تملأ الشواغر بعقول جبارة أكثر تصميما على الثأر ورفضا للمرونة، وهذا ما حدث في لبنان، واوساط المقاومة بزعامة حزب الله، فها هي القيادة الجديدة تعيد ترتيب بيت المقاومة وتستأنف تصنيع الصواريخ الدقيقة، وتطلق المئات، ان لم يكن الآلاف منها على تل ابيب وحيفا وما بعدها هذه الايام في استجابة لنداء الواجب، وتحول الجليل الفلسطيني المحتل الى اشباح، بعد هروب كل المستوطنين منه طلبا للسلامة.


عدم استسلام ايران، وصمودها قيادة وشعبا، في وجه العدوان الإسرائيلي الأمريكي، واشعالها فتيل أضخم حرب اقتصادية في التاريخ الحديث بإغلاق مضيق هرمز، ومنع وصول البترول والغاز الى الاسواق الاوروبية والعالمية، وقصف حاملتي طائرات أمريكية، هو انتصار “اولي” كبير ويكفي تأكيد هذه الحقيقة بالإشارة الى رفض جميع الدول الاوروبية وفوقها اليابان، والصين وأستراليا وكندا التجاوب مع استجداءات ترامب لإرسال حاملات طائراتهم وسفنهم الحربية لفتح مضيق هرمز امام الناقلات النفطية والغازية بالقوة.
نختم هذه المقالة برجل امريكي شجاع اسمه الجنرال جو كينت رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة الذي أصدر بيانا أعلن فيه استقالته وقال فيه “اعلن استقالتي من منصبي لانه لا يمكنني تأييد الحرب الدائرة في ايران، ولا يمكنني الانغماس في حرب ضد دولة لم تشكل تهديدا وشيكا.. واضح اننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط إسرائيل واللوبي النافذ لها في بلادي”.
شكرا للمستر كينت وكل الشرفاء من أمثاله في أمريكا والعالم الغربي، الذي كان شجاعا في اتخاذ القرار ووضع اصبعه على شريان البلاء الحقيقي الذي لن يدمر أمريكا والعالم الغربي فقط، بل العالم بأسره، وأمنه واستقراره.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *