كشفت الحرب: هشاشة اقتصادالخليج .. والاقتصاد المخفي .. وأكدت وجوب استثمار الحدث للنهوض العروبي

 كشفت الحرب: هشاشة اقتصادالخليج .. والاقتصاد المخفي .. وأكدت وجوب استثمار الحدث للنهوض العروبي

د. عادل سماره

د. عادل سماره

كشفت الحرب هشاشة اقتصادالخليج

والاقتصاد المخفي للإمارات

وأكدت وجوب استثمار الحدث للنهوض العروبي

د. عادل سماره

لا يمكن لبلد ما بعد حرب أن يبقى كما كان قبلها، وإذا كان التأريخ لبداية حرب أمراً ممكناً فإن التنبؤ بتداعياتها وبالمتغيرات التي تحدث خلالها وبعدها وتوقع نتائجها هي أمور من قبيل الترف أو الرغائبية.

لذا، فعلى المواطن العربي أن ينتبه من فوضى المحللين والخبراء والإستراتيجيين الذين يتناسلون على الشاشات باعتبار ذلك فرصة ارتزاق هائلة ولن تتكرر ولذا يقولون ما يُطلب منهم دون احترام لشخصهم وتخصصهم، تماماً كما يفعل رجال الدينسياسي عِبر فتاواهم وشحنهم للطائفية باعتبار ذلك مصدر مناصبهم وثرائهم ومثلهم طبعا مثقفي الطابور السادس بمعنى أن هذه الفئات الثلاثة تستغل كل واحدة منها “جُمعتها المشمشية”. بينما قال تولستوي: ” لا يمكن لأحد توقع المتغيرات التي تنتج عن الحرب”.

وهذا يطرح السؤال: لماذا تكتب أنت أو أنا او هو أو هي عن الحرب/العدوان الجاري ضد إيران ولبنان؟

والجواب باختصار، نكتب لأن وطننا هو خشبة تصارع الاخرين المعتدي والمعتدى عليه. هذا من جهة ومن جهة ثانية، وهو الأهم، فإن تعاطينا مع الحدث هو لتوظيفه كحدث بغض النظر عن نتائجه، في مشروع حتمية الوحدة العربية بما هي الخلاص الوحيد مما نحن فيه أي من هيمنة أمريكا على هذا الوطن، وهي لن تخرج بدون حزّْ الحلاقيم وهذا يعني أن الصراع مديداً كحرب هذه الأيام.

فالأنظمة القطرية في علاقتها بالحرب يتصرف كل منها منفرداً سواء كبيدق أو كعميل أو كمرتعد يصطف جانبا، فكل نظام لا يتحدث إلا عن نفسه وكذلك يفعل “خبراؤه ومحلليه ومثقفيه ورجال الدينسياسي فيه…الخ” وهذا أخطر تجسيد لاستدخال الهزيمة. قِلَّة هي التي تتناول مجموع الوطن العربي رغم أن الحرب الحالية قد قدمت دروسا ونتائجاً تؤكد أن هذه فرصة لبناء الحد الأدنى لموقف عروبي عام.

إن استمرار تلعُّق كل نظام قُطري بتحالف مع قوة إقليمية أو دولية ولكن بمفرده أو مع بعض العرب هو استمرار لتخليد الوضع الحالي أي لبقاء الوطن العربي مسرح المقتتلين سواء الطامع المعتدي أو المظلوم. وعليه، فإن أي موقف او تحليل لا يأخذ البعد العروبي بالإعتبار الجدِّي هو خطير ومضاد.

لماذا الحديث عن الخليج وحده؟

سؤال طبيعي ومحق، ولكن لأن الخليج هو الملاصق لميدان القتال والمُصاب المباشر من الحرب، بل وأحد مواقع انطلاق العدوان وهو في الوقت نفسه الدجاجة التي تبيض للغرب نفطا أكثر من أي قطر عربي آخر أو أي بلد آخر، وهو الذي، بالتأكيد لن يخرج بعد الحرب كما كان قبلها.

كان لا بد للغرب من الاحتفاظ ببرميل النفط هذا، وكان مصدر صداع له وجود التيار العروبي خلال فترة المد الناصري في الخليج عموما  الإمارات وقطر والكويت والبحرين تم تصنيعها لاقتلاع المد القومي وخاصة الناصري في الستينات أما عُمان فمخافة المد الماركسي من اليمن الجنوبي تم قمع الثورة بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير ظُفار على يد جيش الشاه وبريطانيا وعُمان والأردن،  هذا مع الإنتباه إلى أن لعمان تاريخ أعمق من إرتباط نظام الحكم فيها ببريطانيا وأمريكا.

تم إخراج، أو إعادة إنتاج الخليج على التجزئة الحالية في أواخر الستينات وبداية السبعينات وهي نفسها طبعة من تجزئة المشرق العربي 1916  ب سايكس-بيكو، والمغرب العربي ببروتوكول طنجة 1923 ثم اتفاقية طنجة 1956 بين عدة دول غربية ومنح استقلال شكلي للمغرب وتونس لمحاصرة مد الثورة الجزائرية للحيلولة دون توحيد المغرب العربي الكبير. تمت تجزئة الخليج على يد بريطانيا وتسليمها تابعة لأمريكا مع احتفاظ بريطانيا بحصة ودور.

إقتضت مصالح الغرب الإمبريالي  نفطياً وجيوسياسياً، تنصيب أو تثبيت تنصيب أنظمة ممثلَّة في أُسرٍ وعشائر على كيانات صغيرة بحيث لا تتوحد متخذة شكل دُول، وبثقافة بدوية بأقل من بُعد قُطري فلا نقول قومي بما هي أنظمة مضادة للبعد القومي بالفطرة قبل الوعي وهذا يعني موثوقية إمبريالية بها.

إتضحت نتائج هذا التقسيم الخبيث والذي إتخذ شكل إستقلالات إثر الطفرة النفطية الأولى التي نتجت عن حرب أكتوبر 1973 التي أبانت تطورات هامة تاريخيا:

·       أن بوسع العرب هزيمة الكيان ومن خلفه حتى بموقف موحد لقطرين هما سوريا ومصر فما بالك بوحدة كامل الأمة.

·       وبأن الكيان مجرد محمية غربية مما أكد أن الصراع هو أساساً مع الإمبريالية وضمنها الكيان

·       وبأن النفط ليس سلعة عالمية مؤممة عالمياً وليست لأهل البلد نفسه بل هو لمن يسيطر على الخليج ويُعطي حصة للأنظمة هناك.

·       وضمن منافع النفط تسعيره بالدولار ليحافظ الدولار على سيادته تبادليا على الصعيد العالمي، الأمر الذي سمح لأمريكا بأن تتحكم أو تلملم تًدوِّر  الفوائض على صعيد عالمي.

وللأسف، تم تبهيت بل إمتصاص إنتصار 1973 بتحييد مصر وإخراجها من الصراع العربي الصهيوني وتقوية دور الخليج إقتصاديا وبالتالي سياسيا في الوطن العربي لتحل السعودية محل مصر العروبية. أي باختصار انحطاط للوضع العربي  وشحنة حياة للكيان، وتعميق سيطرة الإمبريالية على الخليج خاصة ومعظم الوطن العربي.

وفي إمعان الإمبريالية في إهلاك الأمة العربية واصلت إستخدام عوائد النفط في رشوة الأنظمة العربية التي تعاني العجز الاقتصادي وواصلت تصفية الجمهوريات العربية بدءا بالعراق ولاحقا ليبيا وسوريا واليمن وطبعا بعد تهبيط مصر كدور على الأقل.

وفي تصفية الجمهوريات لعب الخليج دورين على الأقل:

·       تمويل الثورة المضادة بترليونات الدولارات

·       تجنيد قوى الدينسياسي الإرهابية من العرب وغير العرب وبتخطيط ودعم لوجستي امريكي وغربي وهو ما أسميناه الإستشراق الإرهابي.

الخليج حالة ثرية لكن هشة بنيويا

على الصعيد الداخلي للخليج، تم إثر الطفرة النفطية توظيف جزء من عائدات النفط/الريع في التحديث العمراني وخاصة في اقامة الطرق والبنايات بل والأبراج والأسواق وحتى  إقامة جزر  قريبة من الشواطئ…الخ إستبدلت الخيمة/بيت الشعر بأبراج  شاهقة.

ومن الواضح أن عيش الترف والإستهلاك خلق حالة من التخدير السياسي الضد قومي مما جعل الجماهير مأخوذة بالترف والذي بدوره يميِّع التناقض الطبقي والإنتماء القومي وحتى الحقوق العامة. ولعل أوضح مثال على هذا حينما سُئل د. عزمي بشاره الذي يعيش ويتمول وينشط في تخريب الثقافة العربية من قطر: لماذا  لا توجد ديمقراطية في قطر؟

قال: لأن الناس لا يطالبون بها!

وربما نصف ترف الخليج كالتالي، توفر مداخيل مالية من الريع أي بلا عمل أو بعمل شكلي للمواطن، إستهلاك يقود إلى سمنة، وإنفاق على تخفيف الوزن بالرياضة أو بالعلاجات، وكل هذه نفقات على مشتريات من الغرب. هذا دون ان نتحدث عن شراء أسلحة من الغرب بنفقات هائلة.

 وتم تدوير الفوائض الخليجية ضمن سياسة التدوير الأمريكي للفوائض عالمياً ضمن سياسة الولايات المتحدة في تدوير الفوائض عالميا . ولعل ما كتبه جون بيركنز في كتابه “إعترافات قاتل اقتصادي” ما يشرح هذا الاسلوب في إستعادة الغرب لما حصل عليه الخليج من ريع نفطه ضمن عملية إعادة تدوير معولم للفائض.   كما رصدت هذه الأنظمة جزءاً من فوائض الريع في شراء سندات الخزينة الأمريكية وصناديقها السيادية.

الى جانب هذا توجهت أنظمة الخليج إلى شركات  ومستشارين إقتصاديين غربيين إسترشاداً في أي مجال صناعي تستثمر فيه هذه الأنظمة.

مع أن الوضع الطبيعي لجزء من الوطن العربي أن تكون هناك سياسة إقتصادية تكاملية عربية مختصرها أن تقوم الدول التي لديها سيولة مالية بتمويل التنمية صناعيا وزراعيا في البلدان التي لديها قاعدة صناعية، مصر مثلا، وأراضي زراعية واسعة ومناسبة السودان مثلا، وتوفير القوة العاملة من البلدان العربية التي لديها قوة عمالية وخاصة المؤهلة والتي بلا عمل أو بعمالة جزئية. وبالطبع تتوزع المنافع جماعيا.

لكن الإمبريالية صممت الخليج بعكس هذا السيناريو تماما.

بالمناسبة، اذكر عام 1985 أو 86 حينما كنت في لندن عُقد مؤتمر هناك تحت عنوان “عرب بلا نفط” بمعنى كيف يمكن أن يعيش العرب في حال نضوب النفط. كان المشرف على المؤتمر ( كما اذكر  السعودي عبد العزيز التويجري وزيرا ربما للتجارة) وكان يدير النقاش عبد المجيد فريد من مصر والذي كان مدير مكتب  الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. رفعت يدي لمداخلة عدة مرات وتجاهلني عبد المجيد إلى أن وقف رجل عراقي كبير السن وقال:

شنو يا عبد المجيد، الشاب يريد يحشي!

كان عبد المجيد فريد حينها يدير مركزا ثقافيا بتمويل عراقي ويصدر مجلة الباحث الذي سكرتير تحريرها المصري الناصري أمين الغفاري.

فاضطر فريد لإعطائي الدور، فقلت: إن الوضع الطبيعي أن تكون هناك عملية تكامل بين الثروة الخليجية والصناعة المصرية والآرض الزراعية السودانية.

لم يعترض الوزير السعودي بل أجاب بشكل دبلوماسي وقال: “يا أخي را س المال جبان”. وبالطبع لم يكن ممكنا لوزير سعودي أن يقول اكثر من هذا.

إنما أكثر ما فوجئت به أن جلوس الصف الأول في القاعة كانوا من اللوردات الإنجليز ببدلات سوداء وببيونات ومناديل بيضاء على جيب الجاكيت من اليسار…الخ: وجميعهم رددوا إحتجاجا على مداخلتي  No No No

كان الأوروبيون ضد إقامة معامل لتصنيع مخلفات النفط أي البتروكيماويات  في أوروبا. أذكر يوم 4 أكتوبر 1984 وكنت مسافرا إلى لندن للدراسة حيث قرأت خبرا في الجريدة  “الإسرائيلية” جيروزالم بوست ملخصه، : “إن إقامة أي مصنع كهذا كمن يدق في راسه مسمارا”.

توجهت أنظمة الخليج إلى شركات ومستشارين غربيين فكانت الإستشارات  تصنيع صناعة الألمنيوم والبتروكيماويات، أما الإمارات فزادت على ذلك بتحويل دُبي إلى ميناء بل منطقة تجارة حره.

ونظراً لعدم وجود قطاع خاص بالمعنى الراسمالي في تلكم البلدان إلى جانب كون السلطة مالكة كل شيء وتتوفر على السيولة المالية الزائدة عن الحاجة، ونظرا لاعتماد الأنظمة على توصيات الشركات والخبراء الغربيين، فقد مولت الأنظمة تلك الصناعات إل جانب تبني قوانين تتيح الفرصة والحماية للاستثمار الأجنبي بحيث تصل إلى 100% في قطاع الصناعة، مما يفتح المجال لنسب ملكية أجنبية مغرية.

ومما أغرى الشركات الأجنبية بالاستثمار والملكية في الصناعات في الخليج:

الحصول على قروض بشروط ميسرة ودعم حكومي للكهرباء والغاز الطبيعي وشراء الأراضي الصناعية بأسعار منخفضة وإعفاءات من رسوم استيراد المعدات اللازمة للمشروع…الخ.

هذا إلى جانب أن تصنيع الألمنيوم بعملية كيميائية تفرز مخلفات غازات مضرة بالصحة والبيئة مما خلق أزمة التلوث التي تعاني منها جميع بلدان الخليج خاصة السعودي وهذا لا شك أحد أسباب رفض الأوروبيين لهذه الصناعة.

الألمنيوم من المواد المستخدمة بصورة واسعة في الصناعات كالسيارات والتعليب والمعدات الكهربائية والبناء، ولا تتوقف أهميته على الميادين المدنية بل تشمل أيضاً الأسلحة. ويتجه الطلب العالمي على الألمنيوم إلى الارتفاع الأمر الذي يفسر تزايد الاستثمارات فيه رغم كلفته العالية حيث يتم إستيراد البوكسيت واستهلاكه طاقة عالية تُعوَّض بتوفر الطاقة في الخليج.  فإنتاج هذه المادة يتطلب كمية كبيرة من الطاقة خاصة الكهرباء والغاز الطبيعي التي تستخدم في عمليات الصهر، وتتوفر الطاقة في جميع هذه الدول دون انقطاع.

لن ندخل في حصة هذه البلدان في السوق الدولية للألمنيوم أو البتروكماويات وخاصة لأن الحديث عن الحرب وتموضع أنظمة الخليج منها وربما فيها. لكن المهم أن  أسعار الألمنيوم في السوق العالمية تابعة لأسعار النفط والغاز، ترتفع أسعار الألمنيوم بارتفاع أسعار الطاقة وتنخفض بانخفاضها.

لكن المعضلة هذه الأيام أن الحرب وتحكُّم إيران بمضيق هرمز قد رفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد لكنها حالت دون سهولة تصدير النفط ومختلف المنتجات الخليجية مما سبب لهذه الإقتصادات خسائراً كبيرة وبانت هشاشتها. وليست هشاشتها فقط لطبيعة الإستثمارات الموجهة للتصدير والمعتمدة على الأسواق غير اللصيقة بل كذلك لافتقارها للتكامل المحلي ولأنها إستثمرت في منتجات متشابهة وأكثرها موجهة للتصدير.

وحتى لو حصلت  إستماراتها في منتجات الحاجات الأساسية، فهي منطقة فقيرة ديمغرافياً مما يحول دون وجود سوق ذات معدة واسعة. والمفارقة أن الشره الإستهلاكي هو على منتجات مستوردة مما يزيد نزيف الفائض وخطورة ذلك في الحرب حيث لم يتوقف فقط تصدير الألمنيوم، بل والأسمدة والهيليوم…الخ.

لقد أوضحت هذه الحرب بأن الخليج الذي لضخامة موارده المالية وضآلة عدد سكانه وتوفر إمكانية الإستهلاك الموسع وشراء الحاجيات  ولو بشراهة مما دفع البعض بتذكر اسطورة حي بن يقظان الذي  اصبح، بناء على أمنيته،  كل ما يلمسه ذهبا فمات جوعاً.

وللمقارنة، فإن تاثير الحرب إن طالت أكثر، فذلك يعني ان الخليج سوف يجوع ليس لعدم قدرته على الشراء بل لعدم توفر المواد الغذائية في السوق العالمي سواء بسبب إغلاق الممرات وتقطع سلاسل التوريد وزيادة رسوم التأمين وبالتالي يجوع المنتفخين بالمال كما إفريقيا، وهذا لن ينطبق على أوروبا وامريكا وأمريكا اللاتينية وخاصة البرازيل وارجنتين.

كما أن قيام حكام الخليج بالمشاركة في العدوان ضد إيران سيكون إنتحارا بالموت عطشا إذا ما قامت إيران بضرب محطات تحلية المياه حيث تعتمد بلدان الخليج على الماء بنسب بين 80-99% أي ستكون كارثة الجوع والعطش! ناهيك عن حاجة الصناعات لماء مُحلى.  فأية هشاشة بنية هذه المنطقة؟

وبالطبع، فإن المجاعة وضرب محطات تحلية المياه ستؤذي الرعايا الغربيين في الخليج، والذين كما يبدو بأعداد غفيرة، فمثلا، هناك ربع مليون بريطاني في الخليج.

وينطبق التاثير ايضاً على العمالة العربية والأجنبية في الخليج والتي هي أكثر من المواطنين  العرب في مختلف هذه الكيانات باستثناء السعودية .

إلى جانب هذا هناك اليد العاملة الأجنبية التي تتعرض للإستغلال الشديد والمعاملة العنيفة بل العنصرية، كما أن معظم هؤلاء يعملون في قطاع النفط بمعنى أن قوة عملهم تُسخَّر لقطاع لا ينتج سلعا إستهلاكية للاستهلاك المحلي بل للأسواق العالمية وبالتالي فإن الريع الذي يحوزه النظام/الطبقة الحاكمة المالكة من إستغلال هذا العمل هو قيمة تبادلية بحتة ومباشرة. فلم يُجلب هؤلاء العمال للشغل المنتج لأغذية مثلا لاستهلاك الاقطاعيين كما كان في عهد الإقطاع مما يعني أنهم يعانون الإستغلال ومع ذلك لا يستفيد الشعب من شغلهم!

ولكن قسما من الريع المتحصل للسلطة/الطبقة الحاكمة في الخليج عامة يجري استثماره في بلدان إفريقية حيث يتم شراء مساحات واسعة من الأراضي كمزارع يتم شحن منتجاتها بالطائرات مباشرة إلى الخليج كما أوضحت في ورقتي بعنوان:

(Covid 19: Capital and Capitalized Coved-19 in Class War against Labor* It is the matter of Accumulation. Published in: DIS-LEUR! BULLETTIN DINFORMATION, 2021By: BUREAU D INFORMATION ALBA GRANADA NORTH AFRICA COORDINATION)

هذا إلى جانب جزء من أهل البلد وخاصة في السعودية الذين يعيشون فقرا مدقعاً.

دبي: رئة الخليج أم رئة الاقتصاد المخفي

تّذكر دُبيْ منذ عقود بإطراء أنها رئة الخليج بما هي منطقة حرة تجاريا، ضريبيا، بمجموعة واسعة من السِمات من أبرزها الإعفاء الضريبي الكامل على أرباح الشركات والدخل الشخصي، والملكية الأجنبية بنسبة 100%، والمرونة في تحويل رأس المال والأرباح. كما توفر المنطقة خدمات دعم متنوعة تشمل تجهيز المكاتب والمستودعات، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات بفعالية وسرعة.

لكن، لا أحد يذكر جوانب أخرى لدبي، بل للإمارات عموما وخاصة أبو ظبي حيث الإبراج والجزر الإصطناعية التي تعج بأعداد غفيرة من قياديي المافيا العالمية حيث يجدون هناك ملاذا آمناً متحررين من اية قيود.

هذا الإستجلاب المفتوح لم يقتصر على تهريب الأموال المغسولة أو غسلها هناك، بل ايضاً يتضمن إستجلاب النخاسة النسائية أي الإتجار بالبشر برعاية السلطات الحاكمة بل كانت هذه التجارة هي المصدر الأساس لنفس السلطة وخاصة قبيل الثراء المدهش!

هذا الإنفتاح الجنسي غريب في بلد عربي ومسلم، أو هكذا نتخيل لا سيما بعد فضيحة جزيرة إبستين وهي الفضيحة التي لم نعلم بعد لماذا أُختير هذا التوقيت لنشرها، وهل كشفت كل المخفي؟

مرة أخرى، لكن هذا الإنفتاح الجنسي كما يبدو هو مكون أساسي بل مؤسِّسس لاقتصاد الطبقة الحاكمة في الإمارات. وهو الدرس الذي فتح هذا البلد على كل شيء بلا قيود ولا حدود بدءاً من مضاجعة الغلمان وصولا إلى التطبيع والإبراهيمية.

شاهدت مؤخرا الفيديو أدناه للأستاذ أسامه فوزي صاحب موقع Arab Times والذي خصصه لتجارة الجنس بإدارة وامتلاك وممارسة السلطات هناك، والفيديو مرفق بتوثيق. قد يختلف البعض  وقد يشكك في بعض ما يقول الرجل، لكن لكل امرىء طريقته في التناول والتقصي.

في مضمون الفيديو، لا أعتقد أن حديث الرجل مزور. طبعاً ليست لدي وقائعا متعلقة بما ورد، ولكن ما انكشف عن الإمارات وما كشفته هي نفسها يؤكد صحة أقوال السيد فوزي وأكثر.

وهنا أذهب بالقارئ بعيداً، إن جاز التعبير:

لماذا كان كل هذا الصمت عن هذه الأمور تحديداً حتى من المثقفين التقدميين والمناضلين؟

لفتني ما ورد في حديث الأستاذ اسامه فوزي ان تجارة الجنس في الإمارات كانت منذ تأسييها وخاصة كما ورد بعد 1975، فهو يرى أن دور الإمارات اقدم من جزيرة إبستين. وبغض النظر عن الدقة هنا، فجماعة إبستين لهم تاريخ في هذا موازٍ للوجود البشري.

لكن المهم، أن هذه التجارة في الجنس وفي بداية تشكيل هذه الدويلة وقبيل الثراء النفطي والإنفتاح التجاري كانت هذه التجارة عصب حياة السلطة ومن ثم تم تعميمها كأساس في إقتصاد البلد!

ولكن، لماذا لفت نظري هذا الأمر؟ بالطبع لأنه لافت، ولكن لأنه ذكَّرني بوقائع واسماء في الفيديو وخاصة في الثمانينات حيث كنت أشتغل على أطروحتي في لندن ، والتقيت مع كثير من الرفاق والرفيقات من الخليج، كما كنت أطالع الصحافة العربية هناك وحتى الصحافة “االنقدية” التي يصفها البعض بإثارة إشكالات كي تحصل على فلوس، مثل “سوراقيا”.كما كنت على صداقة مع فريق مجلة “الأزمنة العربية” وضمن كادرها المرحوم غانم غباش، والصحفية ظبيه خميس وغيرهما، لكن ما من أحد ذكر شيئاً عن المشكلة الجنسية هناك!

ما كنت أعرفه وأتابعه وخاصة عن الإمارات هو أن دُبي أصبحت رئة الخليج على العالم كميناء تجارة حرة  وبأن الخليج يقيم شركات تصنيع الألمنيوم والأسمدة…الخ وخاصة مركز جبل علي ولكن لا شيء قيل عن تجارة الجنس.

بينما يُكتب كثيرا عن تجارة الجنس في الغرب ومن المحيط إلى المركز وخاصة من الدول الشرقية بعد سقوط الأنظمة هناك، بل إن بعض الأنظمة يعتبر بيع الجنس العلني “المقنون” مصدر الإنتاج الأهلي الأكبر، أو بلد كتايلند بها مليون امرأة تعيش من ممارسة الجنس  كبغاء تجاري كما كتب الإقتصادي الماركسي ديفيد ماكنللي في كتابه Another World is Possible, 2002, p.p.130-32  ، أو إقتصاد البوسنة الذي يعتمد إقتصاده الأهلي الإجمالي أساسا على نشاطين تشغيل النساء في الدعارة وتشغيل الرجال في خدمة معسكرات وصيانة دبابات وأدوات الناتو وذلك طبعا بعد تفكيك يوغسلافيا وتدمير صربيا 1999.

اعرف كما يعرف كل الناس كم من الجوائز “الأدبية والفنية والثقافية” تسابق عليها الكتاب العرب بينما خلفها أشخاص ربما لا يكتبون اسمائهم! فهل هذا معقول؟ ومع ذلك لم يذكر أو يكتب أحدا عن السوق الخلفي للاقتصاد، بل للمجتمع هناك؟

واهتمامي بهذه المسألة يعود إلى ما يلي:

أولاً: هذه المسألة تفسر لي أحد أسباب العلاقة الحميمة بين نظام الإمارات والكيان الصهيوني واستخدام الجنس لأغراض السياسة وتدمير سيادة الأمم وخاصة ألأمة العربية. وبالتالي حين يقوم نظام عربي إسلامي أم لا برعاية الدعارة فهو شديد الخطر.

ثانياً: لماذا كانت الناس تصمت عن هذا؟

ثالثاً: كنت قرأت عن إستجلاب النساء إلى الخليج والكيان وأوروبا في ما أطلق عليه “فراشات الليل” وقد كتبت عن ذلك في كتابي تأنيث المرأة في طبعتيه 2010 و 2026 ، هذا الإستجلاب الذي تلا سقوط الكتلة الإشتراكية “الإتحاد السوفييتي وشرق أوروبا” لكنني لم أكن أعرف عن الدور الرهيب للإمارات.

رابعا: لفت نظري العداء المفتوح للإسلام من قبل نظام الإمارات فرغم تلطي النظام بأنه ضد الإخوان المسلمين إلا أنه أكثر أنظمة التطبيع ترويجا للإبراهيمية والتي هي في جوهرها ضد الإسلام العربي!.

خامساً: في هذا الصدد اذكر الراحلة غادة الرمحي التي توفيت خلال وباء كورونا والتي كانت تكتب باسم ” أستاذة حياة” حيث كانت قد عملت في الإمارات، وحدها التي تفرَّدت بأن كتبت لي عن هذه الفوضى بل الإباحة الجنسية في الإمارات.

وبالمناسبة هذه السيدة هي أول من ساعدني في كشف الدور الخطير للمدعو د. يحيى غدار مؤسس ما يسمى ” التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” الذي نادى بدولة مع المستوطنين وعلى موقفي من هذا اللون الخطير من التطبيع حوكمت لثماني سنوات.

لا شك أن كل مواطن عربي قد قرأ عن دور الإمارات ضد أهلنا في غزة وهو دور متوقع من نظام له هذا التاريخ والواقع حتى حينه.

وهنا أستذكر أن الإمارات كانت قد حافظت على علاقة بسوريا مما خدع الرئيس الأسد بأن وقع في خطيئة قاتلة  بأن هناك موقف عربي سيدعم سوريا بينما كات الإمارات حصان طروادة. ويبدو أن ذلك كان ضمن توزيع الأدوار أي كما حافظت قطر على علاقة مع العراق أثناء رئاسة الرئيس صدام حسين والعدوان ضد العراق 1991 بينما كان دور قناة الجزيرة عام 2003  إسقاط بغداد قبل سقوط بغداد!

وهذا يدفعني لإعادة التساؤل: لماذا لم ينطق من كانوا يعرفون عن هذا النظام؟ فهذا الصمت ليس مجرد خيانة للوعي بل خيانة للأمة وبالطبع للتاريخ لأن إخفاء الحقائق عن الجماهير هي جريمة موصوفة.

https://youtube.com/watch?v=YJ59u2jRVVs%3Fversion%3D3%26rel%3D1%26showsearch%3D0%26showinfo%3D1%26iv_load_policy%3D1%26fs%3D1%26hl%3Dar%26autohide%3D2%26wmode%3Dtransparent

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *