“غزة… لا…معصتاه: صدُّ المساكنة بالمقاومة”، الحلقة الثانية، لمؤلفه د. عادل سماره
د. عادل سماره
المقدمات التاريخية/الحديثة للمساكنة
نقصد هنا بالتاريخية/ الحديثة أننا لن نرجع إلى الوراء قروناً ولا حتى عقوداً طويلة.
فلو جاز لنا البدء بهزيمة 1948 التي لم تكن للفلسطينيين بقدر ما كانت للأمة العربية جميعها طبعاً عبر أنظمتها نفسها التي قامت بتمثيلية دخول الحرب مقودة مباشرة بقادة إنجليز كالجيش الأردني أو لا مباشرة بتعليمات الاستعمار البريطاني خاصة.
يزعم كثير من الكتاب أن تلك الهزيمة خلَّفت تغييرات ضخمة في الوطن العربي! وهي في الحقيقة قد خلَّفت هزيمة ضخمة للأنظمة ومرارة ضخمة للجماهير العربية لكن الفعل الذي نجم عنها لم يكن بالعمق المطلوب لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا إقتصادياً.
وربما نقول بأن نتيجة تلك اواثر تلك الحرب أشبه بما يسمى “ما بعد الاستعمار” وهي نظرية وأداء ليس حقاً ما بعد الاستعمار، بل إمتداد له بدرجة أو أخرى.
صحيح أن انظمة ملكية سقطت لتحل محلها جمهوريات، وأنظمة جمهورية سقطت على يد انقلابيين عسكريين، ولكن معظم الأنظمة الملكية بقيت على حالها، كما ان الجمهوريات المتأتية عن انقلابات عسكرية ورغم إنجازاتها سواء في ما يقارب الآشتراكية واصلاح الزراعي ودعم ثورات التحرر في الجزائر وجنوب وشمال اليمن…الخ لكنها فشلت في:
- فشلت في تحويل الجوهر القطري فيها إلى البعد القومي وتنفيذاً الوحدوي، كان خطابها قومي وأداؤها قُطري،
- كما فشلت في التقاط الدعم الشعبي لها فلم تقدم له مناخات ديمقراطية، بل حصرت نفسها في كسب البرجوازية وخاصة الصغيرة او الطبقة الوسطى والجيش سواء بالمنافع والمحاسيب أو بالأمن.
- وإذا كانت أنظمة الانقلابات العسكرية ضمن التيار القومي، فإن التيار الشيوعي لم يكن في مستوى تحشيد وكسب الطبقات الشعبية، بل بقيت الحركة الشيوعية العربية قطرية التكوين الحزبي وذلك سواء لأنها ضد القومية أي أممية الشعارات قطرية الأداء، أو لأنها تقيدت بتحليل الاتحاد السوفييتي للواقع العربي بعبارة ستالين المضطربة في التحليل:”الأمة العربية أمة في طور التكوين” وهذا دعم التوجهات اللاقومية في هذه الحركة! هذا مع العلم أن الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة إعترف بالكيان الصهيوني رغم انه حالة استعمارية عدوانية استيطانية ومكون جمهوره من أُناس مستجلبين من عشرات القوميات!
بكلام آخر، لم تقد آثار الهزيمة أو رد الفعل عليها إلى تجاوز تجزئة سايكس-بيكو. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تقصير قوى التحرر في الارتقاء إلى مستوى تحديات هزيمة 1948 قد إمتد إلى ولما بعد هزيمة 1967 التي أثبت النظام القطري العربي إثرها تماسكه على رقاب الأمة.
بل كان ما بعد 1967 مزيداً من انحطاط الجمهوريات العربية وتخلخل وضعها وعجزها عن إنجاز اي مستوى من الوحدة رغم حماسة الشعب لها. صحيح أنها كانت عرضة للعدوان المتعدد من الإمبريالية والصهيونية والرجعيات العربية إلا أننا غذا اخذنا العبرة بالنتائج فإن هذه الجمهوريات لم تحقق ما كانت تزعمه وهو ما كانت تتطلبه ا الأمة.
ونظراً لعدم إنجاز مشروعها، فإنها اعتمدت لبقائها “الذي إتضح انه مؤقتاً” في السلطة على عاملين:
- الداخلي عبر أجهزة أمن قمعية تتآخى مع أجهزة أمن الأنظمة الملكية مما إتضح في انعدام مختلف الروابط على صعيد عربي سوى التي بين وزارات الداخلية! وبهذا فالدولة الأمنية العربية تغولت في مختلف القطار العربية بلا استثناء.
- والخارجي حيث اعتمدت في بقائها دون غزو الإمبريالية على التوازن الذي أحدثه عالمياً وجود الاتحاد السوفييتي، والذي ثبت لاحقاً أنه كان يعاني المرض نفسه حيث انهر ايضاًعلى دعم الاتحاد السوفييتي
وإثر نهيار الاتحاد السوفييتي إزداد تغول كل من الإمبريالية والأنظمة الملكية في الوطن العربي، وهنا أصيبت الأنظمة الجمهورية بالرعب والصدمة فانثنت تمسح ما حققته للناس في ما يسمى الاشتراكية العربية والإصلاح الزراعي…الخ. فعلى سبيل المثال تحولت سوريا إلى تبني سياسة النيو لبرالية/السوق الاجتماعي حيث اقتلعت قطاعات واسعة من العمل المأجور في الزراعة ليتحول كثير منهم إلى مادة بشرية لقوى الإرهاب مع حلول الربيع/الخريفي العربي. وكانت مصر قد تبنت هذه السياسة منذ رحيل عبد الناصر، وعانى العراق من سلسلة حروب دمرته وانتهى إلى سلطة عملية نصَّبتها الإمبريالية المحتلة، ولم يكن حال الجزائر أفضل حيت تم مسح مرحلة بن بيلا /بو مدين بأنظمة نيولبرالية استعادت علاقة التبعية بالإمربالية.
وقد نلخص الحالة الداخلية للجمهوريات بما يلي
- انقلب بو مدين على بن بيلا دون قبل أن يترسخ النظام زاعماً أن بن بيلا فردياً ومنحرفاً
- وانقلب حافظ الأسد على يسار البعث في ما اسمه الحركة التصحيحية
- وانتقل علي عبد الله صالح على إبراهيم الحمدي
- وانقلب صدام حسين على أحمد حسن البكر دون تقديم لائحة اتهام الأخير.
لبرالية ماقبل 1948 لم تكن بناء طبيعيا لأنها في ظل انظمة تعمل بموجب التجزئة والتغربن دون صناعة ودون ديمقراطية ودون فصل سلطات وخاصة مصر بإشراق المحتل الإنجليزي. وكذلك لبرالية ما بعد 1948 والهزيمة
هذا مهد للعسكر والذين في النهاية وصل انقلابيون حترفون أغلقوا خلفهم الباب!
لقد اتضح أن وطنية العسكر الذي قاموا بالانقلابات العسكرية تحولت حين وصول السلطة إلى النرجسية الفردية والتصبث بالسلطة على حساب الشعب ومبادىء ما طرحته سابقاً.
وقد ترافق هذا مع استقرار ملحوظ للانظمة الملكية التابعة مما ادخل في روع الشعب العربي استدخال الهزيمة وذلك بناء على القمع والفقر وفشل الأنظمة قومية الاتجاه ومساومة القوى القومية واليسارية للأنظمة الحاكمة مما أدخل في روع الناسن ولو بلا وعي، أن القائم هو الوضع الطبيعي في الوطن العربي سواء فيما يتعلق بالموقف من فلسطين أو الأوضاع السياسية الاجتماعية الداخلية.
وحينما تضيع الطبقات الشعبية في متاهة القمع وتدبير لقمة العيش تنحصر وتتحوصل في واقعها فلا تعقد مقارنات مع التطورات في بلدان أخرى. وبالطبع فإن هذا الوعي قد فقد حوامله وهي القوى التقدمية والمستنيرة عموما والتي ساومت الأنظمة بدورها وألقت عصى النضال مما أفرغ الساحة لقوى الدين السياسي.
فالفقر والقمع وغياب القوى الثورية في جزء من الوطن العربي وتماسك وسيطرة الأنظمة الريعية المرتبطة بالإمبريالية بحبل سري يلتقيان في تحويل العقل الجمعي إلى حالة ابتهال غيبي لتغيير الحال واعتبار أن ما يحصل هو من الله وبالتالي يجب حل مشاكل الأرض من السماء.
على صعيد القضية المركزية، التي تواصلت مركزيتها خطاباً وبهتت ميدانيا، فقد اتضح ذلك في:
- خروج الأنظمة من مشروع التحرير، سواء مباشرة مثل مصر ولحقتها أخريات، أو بشكل لا مباشر.
- وخروج الكثير من القوى السياسية من تبني مشروع التحرير بتساكنها مع الأنظمة،
وبهذا بقيت قلعة الطبقات الشعبية كي يخترقها التطبيع، والتي في الحقيقة كان صمودها سلبيا، بمعنى تعايشها مع أنظمة تطبيعية وعدوة للأمة، وهي المساكنة التي إتضحت كعين الشمس بعد 7 تشرين اكتوبر 2023 حيث بدأت الأنظمة العربية وبقيادة وزير خارجية امريكا انتوني بلنكن يوم 8 أكتوبر بالعمل على تفريغ يوم 7 تشرين أكتوبر من محتواه وذلك بإطلاق يد الكيان في دم غزة والضفة لإيصال الشعب إلى الياس وتجلى ذلك أكثر يوم 11 تشرين ثاني نوفمبر 2011 في مؤتمر الرياض حيث بايع 57 نظام عربي وإسلامي نظام السعودية على الصمت التام وحصر الموقف في ترجي الأمم المتحدة أن تترجى الكيان ذبح المقاومة والتوقف عن ذبح الشعب. والكيان عاجز حتى ستة اشهر عن ذبح المقاومة فقام باستئصال الشعب.
إنها الثورة المضادة الكامنة تماما تحت جلد هذه الأنظمة والتي تتحرك حين تحين لحظة الخيانة وقد حصل وهذا تكرار للتخلي عن المقاومة في لبنان 1982 والتآمر عليها عام 2006 ناهيك عن الربيع/الخريفي العربي.
إذن، كما أشرنا، كانت تطورات ما بعد هزيمة 1948 أقل مما يجب حيث اتسمت بانقلابات عسكرية دوافعها:
- مواصلة الرجعيات ارتباطها بالغرب
- نزعة فردية قيادية لدى العسكر
- حماسة وطنية بلا ديمقراطية
- انسجام مع التجزئة اي قوميين قولا وقطريين مصلحيا
- شعارات غشتراكية بلا تنمية بالحماية الشعبية وفك ارتباط بالسوق الدولية أي بالغرب
وبسبب هذا الأمراض لم تتمكن النظمة التقدمية من بناء حالة تنموية انتاجيا ولا حالة متطورة ثقافيا وسياسيا اجتماعياً مما أفرغ الجماهير من شحنات الحماسة في الخمسينات والستينات وأخذت تتساكن مع الأنظمة واء بالقمع أو المساومة مما قاد إلى هشاشة المجتمعات والارتداد من الحلم الوحدوي والتحرير إلى حلم تدبير الراس!
وهكذا، فإن ضعف الرد على هزيمة 1948 وتواصل الضعف بدرجة أو أخرى بعد هزيمة 1967 فقدت القوى القومية والشيوعية شحنتها الثورية وهو الأمر الذي عنى فعلاً تشحين قوى الدين السياسي ما تجلى في:
- انتهاء المد القومي والشيوعي واتضاح ومواصلة الانحصار القطري
- انتعاش دور انظمة التبعية والعمالة
- انتعاش الطائفية والجهوية والعشائرية
- توسع المد الديني السياسي
- استراحة الغرب والكيان
- تواصل تطوير اللاتكافؤ بين الأقطار العربية
- سيطرة طبقة الكمبرادور على السلطة السياسية كذلك متحالفة مع الفساد
من شروط الهزيمة تعدد الآلهة
كلما إتضحت صورة الوضع العربي المتهافت وجدت أن نحتي مصطلح استدخال الهزيمة لم يعد ينطبق على الحالة الجمعية بهذا الشكل الفضفاض، بل ينطبق على القوى السياسية وصولاً إلى الأفراد. وهذه حالة من تذرير المجتمع سياسياً على نهج تذرير المجتمع اقتصاديا وفرديا طبقاً لمتطلبات الراسمالية التي تتجاوز الطبقات بالسيطرة و/أو الهيمنة.
وبقدر ما أن انتشار المعلومة حيث لم تعد محصورة في الكوادر الحزبية ودور التكنولوجيا الحديثة في إيصال المعلومة والخبر إلى كل رأس، فقد حصل تذرير المواقف حتى لمستوى كل فرد هو كاتب، ومثقف، وعبقري، وقائد! لكن لمن؟ لذاته. اي بالمفعوهم الشعبي العام لم يعد أحد يسمع لأحد! وهنا لعبت أجهزة الإعلام وخاصة الفضائيات دورها في تعميق هذا التذرير.
ولأن الإنسان اجتماعي والعمل اجتماعي والإنتاج اجتماعي والنضال إجتماعي، فإن التذرير وشعور كل شخص بأنه مكتفٍ ومشبع بالوعي، لم يعد يستمع أحد لأحد إلا في حدود علاقة أفراد بقوى.
لكن هذا الاستشناء خلق في داخل القوى حالة ارتباط وتبعية للقائد وليس حالة وعي جمعي نقدي متحرك. لذا، وجدنا عناصر كل حركةسياسية أو فصيل وقد جعلوا من “الأمين العام، المفتين المرشد” مثابة إله لهم وبالتالي تعددت الآلهة طبقاص لتعدد القوى وحتى الأفراد وهذا كافٍ لشل اي حراك شامل وجمعي. إي غابت الأولهية السماوية وغاب الجامع الوطنين اي كون الوطن هو الساس، هذا رغم تزايد هائل في الوطن كلغة أو كلمات سواء في الشعر أو الغناء وهذا بالطبع مجرد تطريب لا تثوي.
صار نقد اي قائد أو زعيم سياسي مثابة وقوع الناقد في اشتباك مع أدوات هذا أو ذاك مما جعل النقد عدوان وإسائة وهذا أمر يغلق الدماغ على ما فيه من شوائب ومن جهل متعالم.
والأخطر من هذا وجود من يعتبرون هذا الحاكم أو ذاك هو الأفضل، بل الوحيد في زمانه وما قبل زمانه وما بعده. وخطورة هذا التمترس في العمى عن رؤية جوهر نظام هذا الحاكم، ارتباطاته الطبقية محليا والسياسية الاقتصادية خارجياً. وبالطبع ترتبت على هذا احترابات بين مؤيدي هذا أو ذاك.
وقد يكون مثال خصومات البعث تعبير نموذجي على هذا التمترس أو ذاك. فبعث العراق لا يرى اسوأ من بعث سوريا والعكس كذلك. وبالتالي أصبح صدام ايقونة والسد ايقونة وجمهور كل منهما يطلق النار على الآخر بينما الرصاص يصيب الوطن.
ولا يختلف تمترس الإخوان ضد عبد الناصر وتمتر الناصريين بالمقابل. أو تمترس الشيوعيين لصالح عبد الكريم قاسم سابقا في العراق وتمترس البعثيين والقوميين ضدهم.
والخطورة أن هذه التكتلات والعصبيات هي ممتدة ومنيا مما يسمح بالأمراض الجديدة أو يوفر لها المناخ الملائم جدا.
هذه الاشتباكات، وهي على الماضي، تسحب نفسها اليوم مما يغطي علىوجود وسيطرة أنظمة تبين أن الأنظمة السابقة كانت جميلة مقارنة بالحالية وذلك على طريقة قول الشاعر:
دعوت على عمرو فمات فسرني…فعايشت اقواماً بكيت على عمرِ”
بمعنى آخر فإن التعلق بالماضي يغلق الباب على رؤية الحاضر ويمنع لجميع منن اللوصول المنطقي إلى التالي:
كان لكل نظام و/أو حاكم أو /أو حزب إيجابياته وسلبياته ومن التخلف والتعصب إفال واحدة والتمسك بالأخرى، بل يجب قراءة ما حصل بمنطق عقلاني تاريخي للاستفادة منها للحالي وحتى اليومي لأن المشروع والمطلوب ليس البكاء على الموتى، بل توظيف تراثهم في خدمة الحاضر. والحاضر لغذا توفر الوعي الوطني والقوميوالطبقي بشكل فعلي يعني غقامة الكتلة التاريخية التي هي إلهنا على الأرض هي محرك حرب الشعب طويلة الأمد. وحرب الشعب لم ولن تُثمر إن إتخذت حرب أفراد وقوى ضد بعضها البعض.
التجويف والتجريف آليات للمساكنة
لا يمكن لإمرىء بمفرده تحديدأ تاماً لأية ظاهرة اجتماعية سواء إيجابية أو سلبية، ولذا يكون تفسير اية ظاهرة مسألة نسبية في دقتة تفسيرها فيما يخص الفرد.
في هذا الصدد، فإن تجويف الوعي لتجريف الثروة هما آليان مترابطتان للمساكنة المجتمعية العربية.
في نحت المصطلح وتحرير المعنى/ د. عادل سمارة
قادني التفكير في تطورات 2011 في الوطن العربي لقراءة التجريف من زاويتين مختلفتين:
قراءة التجريف على مستوى الثروة في الوطن العربي وقراءة المناخ السياسي والاجتماعي الذي جعل هذا التجريف ممكنًا، وهذا المناخ هو تجويف الوعي وهو ما ذكرته في كتاباتي عن بدايات هذا الحراك.
يمكننا القول إن تجويف الوعي هو سياسة جرى فرضها في مختلف البلدان العربية، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. وجوهر تجويف الوعي هو قمع الحركات السياسية وحتى الاجتماعية عبر فرض سياسات مضادة للديمقراطية والحريات، كمنع الأحزاب أو السماح الجزئي للأحزاب، وغض الطرف عن نشاط قوى الدين السياسي مع زعم قمعها بينما جرى عمليا تقويتها سواء باختراق المناهج التعليمية أو حتى بتسهيلات من قوى القمع، والرقابة على الكتب، واعتماد إعلام رسمي يخدم توجهات السلطة سواء في ما يخص الحريات أو السياسات القطرية والفئوية والمذهبية، وإطلاق اليد للمنتجات السلعية والثقافية الغربية الرأسمالية، ومنع النقابات أو ربطها بالسلطة كنقابات صفراء…الخ. المهم أن تجويف الوعي هذا ساد في القطريات العربية جميعها، سواء الجمهوريات ذات التوجه القومي العروبي أو الملكيات والمشيخات المعادية للأمة والقومية. هذا بالمعنى السياسي الاجتماعي العام.
إن تجويف الوعي هو المقدمة الضرورية والشرط الضروري لتجريف الثروة، بمعنى أن لتجويف الوعي هدفًا آخرَ يتم توظيف التجويف من أجل تحقيقه. فلا يمكن أن يكون تجويف الوعي هدفًا بحد ذاته. والهدف هو تجريف الثروة من أجل التراكم. فالتجويف ينتهي إلى تغييب أية معارضة أو نقد أو رفض أو احتجاج على سياسات السلطة الحاكمة في نهب ثروة البلد والتحكم بها، وهي الأمور التي تنتهي إلى عدم النمو وإلى الفساد والمحسوبيات والارتباط المصلحي بالأجنبي وإطلاق يده في البلاد وتعميق احتجاز التطور والتبادل اللامتكافئ…الخ. فمن لا يعي واقعه السياسي الطبقي لا يعي أن الثروة هي للأمة وليست للنظام الحاكم و/أو للطبقة الرأسمالية بغض النظر عن كونها من أية شريحة رأسمالية أي تصنيعية، كمبرادورية طفيلية…الخ.
في حديث لعزمي بشارة عن عدم تبني السلطات في قطر للديمقراطية يقول إن الناس هناك لا يطالبون بالديمقراطية! وفي هذا احتقار للعقل البشري، فلا يوجد مجتمع لم يسمع على الأقل بالديمقراطية. هذا من جهة ومن جهة ثانية، أليس دور التنويري أن يُنوِّر المجتمع؟!
أما المفارقة، ففي كون الرجل يطالب بالديمقراطية في جمهوريات مثل ليبيا وسوريا عبر القتل والدم على يد قوى الدين السياسي التكفيرية المُصنَّعة من قبل الغرب الرأسمالي على شكل الاستشراق الإرهابي، هذا مع العلم أن الجمهوريات قطعت شوطًا بعيدا في التنوير مقارنة بالخليج.
يمكننا القول إن من أهم أسباب الحراك في الوطن العربي حاليًا هو رفض التجويف والتجريف، ولأن الثورة المضادة لها دور في حصولها، فقد امتطت الحراك باكرًا ونجحت في حرفه وتشويهه (مصر وتونس وليبيا)، أو هي في حالة انسداد عن إنجاز ذلك في حالات كسوريا، وفي حالة شلل (اليمن).
بقي أن نشير إلى أنّ الكثير من المثقفين شركاء في التجويف والتجريف، هم شركاء في التجويف، المثقف المنشبك عبر ارتباطه بالنظام الحاكم، أو بنظام حاكم يطابق هواه، وعدم مقاومتها بل إطراؤها، أي الأنظمة، أو انخراطهم في منظمات الأنجزة لزيادة التجويف، وخاصة عبر نشر وترويج وحتى كتابة خطاب “تنموي” باسم هذه المنظمات، بينما في الحقيقة هي مؤسسات لتثبيت رواتب ومحسوبيات مدراء وكبار موظفي هذه المؤسسات حيث يتحول هؤلاء إلى فئة جديدة في شريحة متلقي العائدات غير المنظورة، فينخرطون في تمييع النضال الطبقي والوطني مقابل ما يقبضون من المحلي والأجنبي، أي يصبحون شركاء متواضعين في التجريف.(للتوسع أنظر كتابنا: في نحت المصطلح وتحرير المعنى 2022).
وحيث يقود تجويف الوعي إلى غياب بل تغييب الحريات ومن ثم الديمقراطية تصبح هذه الديمقراطية مثابة لزوم ما لا يلزم من باب أن اعتماد قطاعات شعبية واسعة على الوظيفة في الجهاز البريوقراطي الحكومي اي القطاع الحكومي السلطوي وليس القطاع العام، والريع ايضاً، وغياب او خنق الصناعة، وغمر السواق بالمنتجات الأجنبية على يد الكمبرادور الذي هو الحليف الضروري لسلطات قمعية تعمق التخلف والاستهلاكية بما هي مقتل الفائض المحلي ولو مصدره ريعياً وليتختم هذا الدائرةالمفرغة بالمثقف المنشبك.
