ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر الحصار الثقافي في هوليوود؟

 ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر الحصار الثقافي في هوليوود؟

لطالما واجهت الرواية الفلسطينية تحديات جسيمة للوصول إلى الشاشات العالمية، لا سيما في هوليوود التي ظلت لعقود فضاءً مغلقاً أمام السرديات القادمة من الشرق الأوسط. ومع اقتراب حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، يبدو أن المشهد السينمائي يشهد تحولاً تاريخياً غير مسبوق بوصول ثلاثة أفلام فلسطينية دفعة واحدة إلى القائمة المختصرة للجوائز.

هذا الحضور المكثف يطرح تساؤلات جوهرية حول بداية انكسار الحصار الثقافي الذي أحاط بالقضية الفلسطينية في السينما العالمية لسنوات طويلة. فبعد مسيرة بدأت بفيلم ‘يد إلهية’ عام 2003، ومرت بترشيحات هاني أبو أسعد في ‘الجنة الآن’ و’عمر’، وصولاً إلى فوز ‘لا أرض أخرى’ في 2025، يبدو أن عام 2026 يمثل ذروة هذا التراكم الإبداعي.

يتصدر المشهد فيلم ‘صوت هند رجب’ للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو العمل المرشح لجائزة أفضل فيلم دولي. يستند الفيلم إلى مأساة واقعية هزت الضمير العالمي في يناير 2024، حيث يوثق اللحظات الأخيرة للطفلة هند رجب عبر تسجيلات صوتية حقيقية لمكالماتها مع طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني.

وقد استطاعت بن هنية تحويل هذه الذاكرة المؤلمة إلى شهادة سينمائية عالمية تدين العنف وتنتصر للإنسان، مما جعل الفيلم يحظى باستقبال استثنائي في مهرجان فينيسيا. حيث وقف الجمهور مصفقاً للعمل لمدة 23 دقيقة متواصلة، في واحدة من أطول فترات التصفيق في تاريخ المهرجان العريق، تعبيراً عن التأثر العميق بالقصة.

أما الفيلم الثاني ‘فلسطين 36’ للمخرجة آن ماري جاسر، فيعيد المشاهدين إلى حقبة تاريخية مفصلية وهي الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني. ويعد هذا العمل من أضخم الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، حيث يسلط الضوء على جذور الصراع والدور الاستعماري في صياغة واقع المنطقة المعاصر.

واجه إنتاج ‘فلسطين 36’ تحديات ميدانية كبرى، حيث اضطر فريق العمل لنقل التصوير من الضفة الغربية إلى الأردن بسبب اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. ورغم هذه الصعوبات، نجح الفيلم في حصد إشادات دولية واسعة، خاصة في مهرجان تورنتو، رغم محاولات التضييق الإسرائيلية التي وصلت إلى مداهمة عروضه في القدس المحتلة.

الفيلم الثالث في هذا السباق هو ‘اللي باقي منك’ للمخرجة شيرين دعبيس، والذي يقدم ملحمة إنسانية تمتد عبر ثلاثة أجيال من الفلسطينيين. يتتبع العمل مسار عائلة فلسطينية منذ نكبة عام 1948 وحتى أواخر الثمانينيات، مستعرضاً كيف تنتقل الذاكرة الجماعية والهوية عبر العقود رغم التهجير واللجوء.

الترشيح للأوسكار لا يتعلق بي شخصياً بقدر ما يتعلق بالطفلة التي أصبحت رمزاً إنسانياً للقصة التي يرويها الفيلم.

وكما هو حال الأفلام الأخرى، اضطرت دعبيس لنقل مواقع التصوير إلى قبرص واليونان والأردن بسبب الظروف الأمنية في فلسطين. واعتبرت المخرجة أن وصول هذه الأفلام مجتمعة إلى منصات الجوائز العالمية يعكس اعترافاً دولياً متأخراً لكنه ضروري بأهمية القصص الفلسطينية وقدرتها على ملامسة الوجدان الإنساني.

وبعيداً عن الجانب الفني، خاضت هذه الأفلام معركة شرسة في أروقة التوزيع داخل الولايات المتحدة، حيث فضلت كبرى شركات هوليوود تجنب هذه الأعمال المثيرة للجدل سياسياً. هذا العزوف دفع صناع الأفلام للتعاون مع شركات توزيع مستقلة مثل ‘ويللا’ و’ووترميلون بيكتشرز’ لضمان وصول الرواية إلى الجمهور الأمريكي.

وتعكس هذه الصعوبات التوزيعية هشاشة حضور السينما الفلسطينية في المنصات الرقمية الكبرى، خاصة بعد واقعة إزالة عشرات الأفلام الفلسطينية من منصة ‘نتفليكس’ في عام 2024. ومع ذلك، فإن الإصرار على التواجد في دور العرض المستقلة والمهرجانات ساهم في خلق حالة من الوعي السينمائي الجديد تجاه القضية.

وفي مواجهة هذه التحديات، برزت حملات تضامن واسعة من نجوم الصف الأول في هوليوود، الذين قرروا كسر حاجز الصمت ودعم السينما الفلسطينية علناً. حملة ‘Talking Palestine 36’ شهدت مشاركة أسماء وازنة مثل مارك روفالو وسوزان ساراندون وريز أحمد، مما أعطى زخماً إضافياً لهذه الأفلام في أوساط المصوتين.

هذا الدعم من النجوم العالميين يعكس تحولاً جذرياً في النقاش الداخلي في هوليوود، حيث أصبح الحديث عن الحقوق الفلسطينية أكثر قبولاً وتداولاً. ولم يعد الفنانون يخشون التعبير عن مواقفهم الإنسانية تجاه الشرق الأوسط، وهو ما ساعد في تسليط الضوء على القيمة الفنية والجمالية لهذه الأعمال السينمائية.

إن لغة الأرقام في موسم 2026 تتحدث عن خرق غير مسبوق؛ فوجود ثلاثة أفلام في القائمة المختصرة في عام واحد هو إنجاز يتجاوز كل ما تحقق في العقدين الماضيين. هذا التطور يشير إلى أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد ‘استثناء’ عابر في المهرجانات، بل أصبحت صوتاً أصيلاً وراسخاً في قلب الصناعة.

وفي الختام، يظل وصول هذه الأفلام إلى مسرح ‘دولبي’ في هوليوود انتصاراً بحد ذاته بغض النظر عن النتائج النهائية لتوزيع الجوائز. فمجرد طرح هذه القصص على أرفع منبر سينمائي عالمي يعني أن الحصار الثقافي بدأ يتداعى أمام قوة الفن وقدرته على نقل الحقيقة الإنسانية من قلب المعاناة.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *