تحوّلات الرأي العام الأميركي تجاه اليهود والمسلمين
سعيد عريقات
- الاستقطاب السياسي والإعلام والحرب على غزة يعيدان تشكيل المواقف
سعيد عريقات
يكشف تقرير حديث صادر عن “استطلاع القضايا الحرجة” في جامعة ماريلاند، بإشراف الباحث شيبلي تلحمي (الفلسطيني الأصل)، عن تحولات عميقة في نظرة الأميركيين إلى اليهود والمسلمين، وعن تصاعد الاستقطاب الحزبي والإعلامي في قضايا التحيّز الديني والعرقي، في ظل تداعيات الحرب في غزة منذ تشرين الأول 2023، وما رافقها من سجالات سياسية وإعلامية داخل الولايات المتحدة.
ويستند التقرير إلى استطلاع وطني أُجري بين 29 تموز و7 آب 2025، شمل أكثر من 1500 مشارك، مع عينة إضافية من الشباب، ويقارن نتائجه ببيانات تعود إلى عام 2022 وما قبله، ما يسمح بتتبع الاتجاهات الزمنية وتحديد نقاط التحول.
تعريف معاداة السامية: وضوح أكبر وانقسام أعمق
أبرز ما يلفت في نتائج الاستطلاع هو تراجع كبير في نسبة الأميركيين الذين يبدون تردّدًا أو غموضًا في تعريف ما يُعدّ “معاداة للسامية”. فمقارنة بعام 2023، انخفضت بشكل حاد نسبة من اختاروا إجابة “لا أعرف” عند سؤالهم عمّا إذا كانت مواقف معينة تُعدّ معادية لليهود أو لليهودية أو للصهيونية أو لسياسات إسرائيل.
وفي عام 2025، أقرّت غالبية الأميركيين بأن العداء لليهود أو لليهودية يُعدّ بوضوح معاداة للسامية. غير أن الانقسام الحزبي كان حادًا حين تعلّق الأمر بالمواقف المناهضة للصهيونية أو الناقدة للسياسات الإسرائيلية. فالجمهوريون مالوا إلى توسيع تعريف معاداة السامية ليشمل هذه المواقف، بينما رفض الديمقراطيون ذلك على نطاق واسع، مؤكدين الفصل بين نقد إسرائيل واستهداف اليهود كجماعة دينية أو إثنية.
وتشير البيانات إلى أن هذه الفجوة لم تكن ثابتة، بل اتسعت منذ عام 2023. فالجمهوريون باتوا أكثر ميلاً إلى اعتبار انتقاد إسرائيل معاداة للسامية، في حين أصبح الديمقراطيون أكثر صراحة في رفض هذا الربط، وهو ما يعكس تأثير الحرب في غزة وتداعياتها على النقاش العام الأميركي.
الإعلام لاعب رئيسي في تشكيل التصورات
يلعب مصدر المعلومات السياسية دورًا محوريًا في تحديد هذه المواقف. فالمستطلعون الذين يعتمدون على قناة “فوكس نيوز” أظهروا ميلاً أكبر إلى اعتبار معاداة الصهيونية أو انتقاد السياسات الإسرائيلية شكلاً من أشكال معاداة السامية، مقارنة بأولئك الذين يعتمدون على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أو مصادر إعلامية أخرى.
كما أظهر جمهور “فوكس نيوز” مواقف أكثر إيجابية تجاه اليهود واليهودية، في مقابل مواقف أكثر سلبية تجاه المسلمين والإسلام. وعلى العكس، بدت المواقف أكثر توازنًا نسبيًا لدى من يعتمدون على مصادر إعلامية متنوعة أو رقمية. ويظهر هذا التأثير الإعلامي حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، ما يؤكد أن الانقسام لا يقتصر على الانتماء الحزبي، بل يمتد إلى البيئات الإعلامية.
مصطلح “معادٍ للسامية” كسلاح سياسي
يتفق معظم الأميركيين على أن وصف “معادٍ للسامية” يُستخدم أحيانًا لوصف حالات حقيقية من الكراهية، لكن أغلبية واسعة ترى أيضًا أنه يُستعمل – على الأقل أحيانًا – لتجريد الخصوم السياسيين من الشرعية أو لإسكات منتقدي إسرائيل.
ويبرز هنا انقسام حزبي واضح: فالديمقراطيون أكثر ميلاً للاعتقاد بأن هذا الوصف يُستخدم بكثرة لتقويض النقد السياسي، بينما يميل الجمهوريون إلى الاعتقاد بأنه يُستخدم في الأساس لوصف حالات حقيقية من معاداة السامية. وقد ارتفعت هذه التصورات منذ عام 2023، ما يعكس تسييسًا متزايدًا للمصطلح في الخطاب العام.
اليهود والمسلمون في الوعي الأميركي
لا تزال النظرة إلى اليهود في الولايات المتحدة إيجابية إلى حد كبير وعابرة للانقسامات الحزبية. فالغالبية الساحقة من الأميركيين تنظر بإيجابية إلى اليهود كجماعة، وإلى اليهودية كدين. غير أن الصورة تختلف جذريًا حين يتعلّق الأمر بالمسلمين والإسلام.
فمعدلات القبول الإيجابي للمسلمين أدنى بكثير، ولا سيما بين الجمهوريين. كما تكشف البيانات عن تراجع تدريجي في النظرة الإيجابية للمسلمين منذ عام 2021، بعد أن كانت قد شهدت تحسنًا ملحوظًا في السنوات التي سبقت ذلك. ويربط التقرير هذا التراجع بالسياق الدولي، وبالخطاب السياسي والإعلامي الداخلي الذي تصاعد مع الحرب في غزة.
الدين والانتخابات: المسلمون في موقع الرفض
تنعكس هذه المواقف الاجتماعية بوضوح في التفضيلات الانتخابية. فقد أظهر الاستطلاع أن المسلمين هم الفئة الدينية الأقل قبولًا كمرشحين للرئاسة، إذ قال أكثر من ثلث الأميركيين إنهم لن يصوتوا لمرشح مسلم، وهي نسبة تفوق تلك المسجلة تجاه مرشحين ملحدين أو من طوائف دينية أخرى.
ويبلغ هذا الرفض ذروته بين الجمهوريين، في حين يبدي الديمقراطيون قدرًا أكبر من القبول، وإن لم يخلُ من تحفظات. أما المرشحون اليهود، فيواجهون مستوى أقل بكثير من الرفض، رغم أن هذه النسبة ارتفعت مقارنة بعام 2016، ولا سيما بين الشباب، ما يشير إلى تحولات جيلية تستحق المتابعة.
إدراك التحيّز والتأثير المجتمعي
يرى أكثر من نصف الأميركيين أن التحيّز ضد اليهود والمسلمين ازداد خلال السنوات الخمس الماضية. غير أن تفسير هذه الزيادة يختلف حزبيًا: فالديمقراطيون يميلون إلى الاعتقاد بأن الأقليات الدينية والعرقية تواجه مستويات أعلى من التمييز، بينما يرى الجمهوريون، على نحو متزايد، أن البيض والمسيحيين باتوا أكثر عرضة للتحيّز.
وعند سؤال المستطلعين عن أثر الجماعات المختلفة في المجتمع الأميركي، جاء المسلمون في المرتبة الأدنى، إذ اعتبرهم عدد كبير عامل إضعاف للمجتمع، مقارنة باليهود الذين حظوا بتقييم أكثر إيجابية، وإن كان هذا التقييم قد تراجع منذ عام 2022.
التعليم والانقسام الثقافي
يشكّل التعليم الجامعي أحد أبرز العوامل الفارقة في هذه المواقف. فالحاصلون على تعليم جامعي أظهروا نظرة أكثر إيجابية تجاه اليهود والمسلمين، وكانوا أكثر ميلاً للتمييز بين معاداة السامية ونقد إسرائيل، وأكثر إدراكًا لتصاعد التحيّز ضد الأقليات.
في المقابل، أبدى غير الحاصلين على تعليم جامعي قدرًا أكبر من الالتباس في السنوات السابقة، غير أن هذا الالتباس تراجع بحلول عام 2025، ليحل محله ميل متزايد إلى تبنّي تعريفات أوسع لمعاداة السامية تشمل مختلف أشكال النقد.
خلاصة
تكشف نتائج هذا التقرير عن مجتمع أميركي أكثر استقطابًا وأقل ترددًا في مواقفه. فالقبول الواسع لليهود يقابله تصاعد في التصورات حول نفوذهم السياسي، بينما يظل المسلمون الفئة الأكثر تعرضًا للرفض والتحيّز. وفي قلب هذا المشهد، تحوّل مفهوم معاداة السامية إلى محور صراع سياسي وإعلامي، يعكس عمق الانقسام الأميركي حول الهوية، وحرية التعبير، ودور الولايات المتحدة في العالم، في مرحلة تتسم باضطراب داخلي وانعكاسات مباشرة لصراعات الخارج على الداخل الأميركي.
