انها حرب إسرائيلية أمريكية وليست سعودية إماراتية في جنوب الجزيرة العربية.. الامارات تجاوزت معظم الخطوط الحمر.. والخلاف ليست تكتيكيا وانما استراتيجيا.. وهذه توقعاتنا للسيناريوهات القادمة المحتملة
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
ما يجري حاليا في جنوب اليمن، ومحافظتي حضرموت والمهرة، على وجه الخصوص، ليست حربا بين المملكة العربية السعودية والامارات فقط، كما انها ليست انقلابا يطيح بالتحالف المستمر بين البلدين منذ ما يقرب العشر سنوات، وانما هي حرب إقليمية رأس حربتها محاولة تسلل إسرائيلية الى الحديقة الخلفية للجزيرة العربية للسيطرة عليها، ومنابع النفط فيها، والمضائق والخلجان الاستراتيجية في مياهها وبحارها، وكانت البداية السيطرة الكاملة تقريبا على “دويلة” ارض الصومال وإقامة قواعد عسكرية في ارضها للقفز منها الى المملكة العربية السعودية، والحرمين الشريفين، وتدمير القوة اليمنية الصاعدة، والممثلة في حركة “انصار الله” الحوثية التي كانت الجهة العربية الوحيدة التي سيطرت على البحر الأحمر والملاحة فيه، وقصفت صواريخها العمق الإسرائيلي المحتل، وحاملات الطائرات الامريكية.
هذا المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي المدعوم أمريكيا هو الخطوة الأولى، وربما الأهم على طريق قيام “إسرائيل الكبرى” التي يعتبرها نتنياهو مهمة توراتية إلهية مقدسة لا بد من إنجازها، ومن المؤسف، والمؤلم ان الدول العربية الرئيسية مثل مصر والمملكة العربية السعودية لم تكن على وعي مبكر بهذا المخطط التدميري، والدليل الأبرز في هذا الاطار عدم اتخاذ قيادة الدولتين (السعودية ومصر) أي خطوة للتنسيق السياسي والعسكري لمواجهة هذا الاختراق الإسرائيلي حتى كتابة هذه السطور.
ad
جنوب اليمن الذي قد يتحول الى رأس حربة لهذا المشروع الإسرائيلي، بدعم مباشر او غير مباشر من دولة الامارات العربية المتحدة، مرشح لكي يتخلى عن إرثه التاريخي المشرف له في محاربة الاستعمار الغربي، وقد يتحول الى “نسخة أخرى” لكيان “ارض الصومال” وقاعدة عسكرية إسرائيلية أكبر لإحكام السيطرة على باب المندب وخليج عدن وبحر العرب وقناة السويس.
المنطقة العربية تقف الآن امام ثلاثة محاور رئيسية تحيط بها من كل جانب، الأول إسرائيلي اثيوبي يستهدف مصر والسودان، يتحكم بالأمن المائي للدولتين، ويحكم قبضته على القرن الافريقي، والثاني إسرائيلي يوناني قبرصي يتحكم بالملاحة والثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، وتطويق تركيا ويمنع تمددها شرقا وغربا وجنوبا (شمال افريقيا)، والثالث امريكي إسرائيلي كردي لتحجيم ايران، وتدمير قوتها العسكرية، الصاروخية والنووية، والسيطرة على وسط آسيا الإسلامية، وتمزيق العراق وتفتيتها على غرار النموذج السوري الحالي.
الحرب الإماراتية السعودية في جنوب الجزيرة العربية لن تتوقف بانسحاب القوات الإماراتية من محافظات الجنوب اليمني، لان قوات المجلس الانتقالي باقية في المهرة وحضرموت وعدن وشبوة أيضا، وأعلنت قيادة المجلس الانتقالي المؤقت امس ان قواتها باقية، وقال المتحدث باسمها محمد النقيب “هل من المعقول ان تطلب من صاحب الأرض الانسحاب منها”، وربما يفيد التذكير ان الامارات أعلنت عام 2019 سحب جميع قواتها من جنوب اليمن، وها هي الأيام تثبت ان هذا الإعلان لم يكن دقيقا، وربما يكون هذا هو حال الإعلان الثاني الصادر يوم امس.
الخلاف السعودي الاماراتي الحالي ليس خلافا تكتيكيا، وانما خلافا استراتيجيا مرشحا للتوسع والتعمق، وقد يهدأ قليلا وسطحيا بفعل بعض الوساطات التي ستتحرك لتطويقه تحت عناوين “الاخوة” والحفاظ على وحدة مجلس التعاون الخليجي، والقواسم المشتركة بين شعوبه، لان طرفي هذا الخلاف مجرد واجهة، وقمة جبل الجليد لقوى عالمية عظمى خارجية متصارعة مثل إسرائيل وامريكا وايران، والصين وروسيا بدرجة اقل، والعالم العربي هو الضحية شعبا وحكومات.
دولة الامارات العربية المتحدة تجاوزت الكثير من الخطوط الحمر في المنطقة، سواءً برغبتها او تجاوبا مع ضغوط وتهديدات دول عظمى، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي التي طبعت العلاقات معها في اطار اتفاقات “سلام ابراهام”، وقد حان الوقت في رأينا لإجراء مراجعات لكل سياساتها ومواقفها التي جرى تبنيها في السنوات العشر الماضية خاصة في اليمن والصومال وليبيا والسودان والقرن الافريقي.
العام الجديد 2026 الذي بدأ اليوم الخميس قد يكون العام الأخطر في تاريخ المنطقة، وربما يكون بداية عملية تغيير واسعة سياسيا وعسكريا وديمغرافيا، فقد اتسع الخرق على الراقع، ولا يمكن ان تستمر الأوضاع الحالية في ظل المأزق الإسرائيلي الامريكي، وتصاعد احتمالات المواجهة الكبرى الإسرائيلية شبه المؤكدة على الأرض الإيرانية أولا واللبنانية ثانيا.
لن نفاجأ اذا ما “افاقت” كل من مصر والسعودية الدولتان العظميان في المنطقة من نومهما من عسل الأكاذيب الامريكية والخداع الصهيوني، واقامتا تحالفات إقليمية وعالمية جديدة، عالميا مع الصين وروسيا وباكستان وايران، وتركيا، وعربيا مع حركة “انصار الله” الحوثية في اليمن، لا نملك بلورة سحرية، ولكننا ننطلق في رؤيتنا من متابعة ودراسة تطورات منطقتنا العربية بشكل معمق.. قولوا انها تمنيات لا اكثر ولا أقل، فليكن، وتفاءلوا بالخير تجدوه.. والله اعلم.
